عادةً ما ترتبط الانتخابات بالفكرة الديمقراطيّة وبدلالات الاجتماع المُعافى. هذا صحيح في العموم وبالفرضيّة، بيد أنّه غير صحيح البتّة في السياق الإسرائيليّ. فالانتخابات الحالية تجري في ظلّ نظام فاشيّ وحرب إبادة وتهجير وانقلاب دستوريّ. بمعنى أنها تجري بينما الواقع السياسيّ هو كلّ شيء إلّا الديمقراطيّة. وهي ليست المرّة الأولى التي تحصل فيها هذه المفارقة، فقد سبقها الانقلاب على الديمقراطيّة من خلال الانتخابات في بعض الدول الأوروبية في ثلاثينيات القرن الفائت، لا سيّما في ألمانيا. وقد رأينا هذا الإجراء الديمقراطي في ماهيّته يُفرغ من مضمونه ويصير غطاءً لنُظم شموليّة أو أوليغارخيّة كما في روسيا مثلًا. بل تحوّلت الانتخابات في أنظمة الديمقراطيّة التمثيليّة إلى طريقة للتداول على السُلطة دون أن تؤدّي فعلًا إلى تغيير في أوضاع الدول والمجتمعات.
الانتخابات الحاليّة في إسرائيل إجراء بادر إليه الائتلاف الحاكم في ذروة حركة الاحتجاج ضدّه بُغية امتصاص غضب الشارع على معالجة هجوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 وضد الانقلاب الدستوريّ. بيد أنه يعوّل على هذا الإجراء في إطار سعيه إلى تجديد بيعة الناخبين له لإنجاز "مشروعيْن" يُجاهر بهما. الأوّل ـ حسم القضيّة الفلسطينيّة بالعنف والحروب كما نرى ذلك بشكل واضح في السنوات الأخيرة. الثاني ـ إنجاز الانقلاب الدستوريّ والإجهاز على الديمقراطية الإثنيّة المحدودة أصلًا من خلال المطابقة بين الدولة والمجتمع وإلغاء الفصل بين السلطات وتصفية مفهوم سلطة القانون والحريّات، بما فيها السياسيّة.
تجري هذه الانتخابات ظاهريًّا بين معسكريْن كبيريْن. معسكر يمينيّ ليبراليّ ومعسكر يمينيّ فاشيّ. بيد أنها في جوهرها انتخابات بين إسرائيل وفلسطين. فالنقاشات الدائرة دائمًا في مجتمع الثكنة الإسرائيليّ هي حول فلسطين. أو حول ما يُريده أو لا يُريده مجتمع الثكنة في مقاربة المسألة الفلسطينيّة، على ما تعنيه من تاريخ وسردية وشعب وقضيّة وحقوق، وحقيقة أنه بالرغم من كلّ الحروب التي شنّتها إسرائيل وكلّ توغّلها في دم الفلسطينيين، لا تزال غير شرعية في نظر نفسها، تعاني من غياب الأمن الشخصيّ والجماعيّ في داخلها وفي علاقاتها مع الإقليم. ماذا يفعل مجتمع الثكنة مع الحقيقة الناجزة، وهي أنه لا يزال في فلسطين بين البحر والنهر عدد من السكان الفلسطينيين يُعادل عدد سكان الثكنة، أيّ تعادل ديمغرافيّ مع ميل لتفوّق عدديّ فلسطينيّ في المدى المنظور؟ على مثل هذه الأسئلة تجري الانتخابات وإن جرى حجبها باللغة السياسيّة والحيل الإعلاميّة. المفارقة أن مجتمع الثكنة يُريد حسم مصير الفلسطينيين بدون الفلسطينيين، وهو ما سعى إليه معظم الوقت دون أي نجاح رغم تفوّقه السياسيّ والعسكريّ. ربع الفلسطينيين فقط يُمكنه المُشاركة في هذه الانتخابات، وهم الذين لا يزالون يتمتّعون بمواطنة إسرائيليّة تنقضّ عليها النُخب اليهودية لتصفيتها إمّا بجعلها مشروطة أو بإخراجها من صنع القرار السياسيّ أو بالتحريض والافتراء الدمويّ والقهر والاستفزاز كما هو حاصل. في هذا أيضًا لا تختلف إسرائيل عن أوروبا الثلاثينيّات التي أدارت السياسة في دولها على أكتاف الأقليّات وحقوقها.
في هذه الحال، يكتسب دور هذا الرُبع الفلسطيني أهميّة قصوى فعليًّا وسياسيًّا ورمزيًّا. فالمشاركة بمعدّلات عالية تعني تعطيل فُرص اليمين في الحصول على مبايعة جديدة لخطّه الدمويّ. والحضور في البرلمان الإسرائيليّ لا يتعلّق بما يُمكنه أن يفعل هناك، بل برمزيّة هذا الحضور وتجسيده لمسألة فلسطين ولوجود الفلسطينيّ الذي تُحاول نُخب مُجتمع الثكنة إنكار وجوده لفظًا وفعلًا أو محاصرته في "جيتوات" و"مَعازِل" كما هو حاصل في كلّ مساحة فلسطين. هكذا يرى مجتمع الثكنة وجود الفلسطينيّ وحضوره في الحياة العامة. ومن هنا محاولة الحدّ من هذا الحضور أو محوه تمامًا لو استطاع. الغريب أن بعض العرب الفلسطينيين يحاولون الفرار من هذا الحصار معتمدين أسلوب الخلاص الفرديّ، فيما يُحاول البعض الآخر ـ على طريقة منصور عبّاس ـ الانتماء للثكنة نفسها عبر الخروج من هويّته وسرديّته والانضمام إلى سيغالوفيتش. هذا علمًا بأن مجتمع الثكنة نفسه عادةً ما لا يثق بـ"الهاربين" من انتمائهم، ويصل به حدّ احتقارهم. صحيح أنه يُهلّل لهروبهم لأنه يُضعف الفلسطينيين وموقفهم وصمودهم، لكنّه يقينًا لا يُريدهم شركاءَ بل أتباعًا فقط.
من الطبيعيّ، والحالة كهذه، أن يذهب العرب الفلسطينيون إلى الصناديق كردّ فعل على محاولات ترحيلهم من السياسة ومن الحيّز. وطبيعيّ أن يُحاولوا باسم كلّ الفلسطينيين ألّا يغيبوا، وهي غاية النُخب في مجتمع الثكنة. وهذا بالذات ما ينبغي أن يؤسّس لمرحلة سياسيّة جديدة تفترض محوريّة دورهم السياسيّ والتاريخيّ فيما آلت إليه الأمور في العقود الأخيرة. فهم يُمثّلون، شاءوا أم أبوا، سرديّة فلسطين وقضيّتها بالنسبة لمجتمع الثكنة. ومن العافية السياسيّة أن يقبلوا هذا الدور لا أن يتنصّلوا منه كما يفعل البعض. فَهْم كهذا للانتخابات سيجعل من كلّ عربيّ مستعدًّا للمشاركة فيها. فهي ليست انتخاب برلمان مجتمع الثكنة، بل هي إصرار على الحضور فيه كجزء من حضور فلسطين كلّها. هكذا يرى الأمر مجتمع الثكنة، فلماذا ننكره نحن؟
في مديح الحضور السياسيّ وذمّ الغياب
عادةً ما ترتبط الانتخابات بالفكرة الديمقراطيّة وبدلالات الاجتماع المُعافى. هذا صحيح في العموم وبالفرضيّة، بيد أنّه غير صحيح البتّة في السياق الإسرائيليّ. فالانتخابات الحالية تجري في ظلّ نظام فاشيّ وحرب إبادة وتهجير وانقلاب دستوريّ. بمعنى أنها تجري بينما الواقع
