2026/11/01Last News | آخر الأخبار على مدار الساعة18° حيفا
Last News | آخر الأخبار — Last News
ثقافة ومجتمع

عن الجريمة الإرهابية في الكرك

أصابت جريمة كنيسة حمود في الكرك الأردنيين في عمق شعورهم بالأمان، وفي معنى اجتماعهم الوطني، فاستهداف مدنيين في أثناء تشييع جنازة، داخل مكان للعبادة، ينطوي على بشاعة مضاعفة، تنتهك حرمة الحياة والموت معًا، وتحول مساحة للمواساة والطمأنينة إلى مسرح للدم والخوف. لذل

عن الجريمة الإرهابية في الكرك
أصابت جريمة كنيسة حمود في الكرك الأردنيين في عمق شعورهم بالأمان، وفي معنى اجتماعهم الوطني، فاستهداف مدنيين في أثناء تشييع جنازة، داخل مكان للعبادة، ينطوي على بشاعة مضاعفة، تنتهك حرمة الحياة والموت معًا، وتحول مساحة للمواساة والطمأنينة إلى مسرح للدم والخوف. لذلك، جاء الحضور الملكي في الكرك، وإعلان الحداد، والتضامن الشعبي والسياسي الواسع، تعبيرًا عن إدراك جماعي بأنّ الجريمة تستهدف الأردن بأكمله، وأنّ حماية الكنيسة وأهلها دفاع عن البيت الوطني المشترك.
وارتبطت الصدمة أيضًا بالتوقيت، بعد سنواتٍ انحسر فيها حضور تنظيم داعش في المشهد العام، واستقرّ لدى كثيرين انطباع بأنّ انهيار دولته في العراق وسورية طوى صفحته، أو حوّله إلى بقايا محاصرة أمنيًا، وهنا المسألة التي تستحق قراءة أعمق، لأنّ تراجع العمليات لا يقدّم، وحده، إجابة عن مصير التيار، وقد يكون ما نراه هدوءًا نتيجة نجاح الأجهزة الأمنية في تعطيل قدرته على الحركة، بينما تظلّ أفكاره وشبكاته تتفاعل بعيدًا عن الأنظار.
لم تكن المؤشّرات على هذا غائبة تمامًا، ففي تشرين الثاني/نوفمبر 2025 شهدت الرمثا مواجهة أمنية انتهت بمقتل شقيقين وصفهما الأمن العام بأنّهما من حملة الفكر التكفيري، وإصابة ثلاثة من أفراد القوة الأمنية، وكانت الواقعة تذكيرًا بأنّ تحت سطح الكمون حركة لم تتوقف، وبأنّ انخفاض الظهور العلني لا يكفي للحكم على حجم الخطر أو اتجاهاته، من دون أن يتيح الوصف الرسمي وحده الجزم بارتباط الشقيقين تنظيميًا بـ"داعش".
هذا التمييز بين استمرار التيار والارتباط التنظيمي ضروري أيضًا في قراءة جريمة الكرك، إلى أن تتضح نتائج التحقيقات. لكنّ السؤال الأوسع عن مصير الداعشية الأردنية سبق الجريمة بسنوات، وكان محور كتاب "الجهاديون الأردنيون وانهيار دولة داعش"، الذي أنجزته بالشراكة مع زيد عيادات، وأُشهر في عام 2022، مستندًا إلى دراسة نحو 330 حالة، إذ بحثنا ما حدث للأفكار والأفراد والشبكات بعدما فقد التنظيم الأرض التي أقام عليها مشروعه، وكيف أعاد أنصارُه تفسير الهزيمة والتكيف معها.
كانت إحدى الخلاصات المهمة أنّ سقوط دولة داعش لا يساوي تفكك البيئة التي أنتجت أنصارها، فقد استمرّت قضايا التطرّف، وبرزت تحولات في التركيبة الاجتماعية ومسارات الاستقطاب، بينها حضور الأحداث بصورة أكثر وضوحًا في قضايا عديدة متعلقة بالخلايا المتشدّدة، وتعاظم الروابط العائلية، وهي مؤشّرات تجعل الكمون خادعًا إذا قرأناه باعتباره نهاية الظاهرة، فالملاحقة الأمنية تستطيع إحباط مخطّط وتفكيك خلية، لكنّ قياس أثرها في إعادة إنتاج التيار يحتاج إلى معرفة ما يجري داخل دوائره الاجتماعية، وكيف تنتقل الأفكار بين الأجيال، ومن يحملها إلى أفراد جدد.
ليس الحديث هنا، في هذا السياق، عن تنظيم هيراركي، بل عن تيار أوسع من أيّ خلية، تتداخل فيه دوائر التأثر الأيديولوجي مع شبكات القرابة والصداقة، وقد يتحرّك أفراد أو مجموعات صغيرة من دون قيادة مركزية مباشرة. لذلك، لا يكفي البحث عن تنظيم بالمعنى التقليدي، كما لا تجوز مساواة كل متأثر بالفكرة بمن انتقل إلى العمل الإرهابي، فالمطلوب فهم المسافة بين الاثنين، والعوامل التي تدفع بعض الأفراد إلى عبورها، حتى تتحوّل القناعة المتطرفة إلى استعداد لاستباحة الدم.
تقتضي هذه المقاربة كذلك مراجعة التفسيرات الجاهزة التي تستدعي الفقر والبطالة وضعف التعليم في تفسير هذه الظاهرة، فقد أظهرت دراستنا السابقة "سوسيولوجيا التطرّف والإرهاب في الأردن" (مع موسى شتيوي) صورة أكثر تركيبًا، تضم عاملين وطلبة جامعات ومتعلمين وأبناء شرائح اجتماعية مختلفة، ربما بعكس ذلك تمامًا، كما أظهرت التحليلات الرقمية، فإنّ نسبة كبيرة من المنخرطين في هذا النشاط الفكري والحركي هم من طلاب الجامعات أو الجامعيين الذين حصلوا على الشهادة، وممن يمتلكون وظائف في القطاعين العام والخاص.
في الخلاصة، تستدعي هذه الجريمة الإرهابية مراجعات داخلية، تتجاوز الموقف العاطفي والوطني المطلوب طبعًا، إلى بناء السياسات على الأدلة العلمية والدراسات التحليلية التي ترشدنا بدقة إلى فهم مثل هذه الظواهر والتعامل معها، حتى لا نُفاجأ بمثل هذه الأحداث والحوادث مستقبلًا.
نُشِر المقال في موقع "العربي الجديد".
تابع قناتنا على واتساب