تأثر اقتصاد القدس خلال عامي 2024 و2025 بالحرب على غزة أكثر من غيره، ما خلّف آثارًا عميقة لا يمكن اختزالها في الركود أو التداعيات المؤقتة للحرب. فالمدينة التي عاشت عقودًا تحت منظومة قيود احتلالية مزمنة، دخلت خلال هذه الفترة مرحلة أكثر عمقًا من الأزمة، تعطلت فيها محركات النمو المحدودة، وتعمّقت التبعية البنيوية، فيما تسارعت عملية الأسرلة الاقتصادية باعتبارها المسار شبه الوحيد المتاح.
الباحث المقدسي منير قليبو، الذي تناول الموضوع في مقال بعنوان "اقتصاد القدس بعد الطوفان"، نشر في العدد الأخير من مجلة "الدراسات الفلسطينية"، لا يرى في الأسرلة الاقتصادية في القدس اندماجًا طوعيًا في سوق متكافئة، بل إعادة تشكيل قسرية لشروط العمل والإنتاج والاستهلاك، تجعل السوق الإسرائيلية الإطار الحاكم، وأحيانًا الوحيد، لتوليد الدخل، مقابل تآكل مستمر للقطاعات الفلسطينية المحلية داخل المدينة.
ويشير قليبو إلى أن الاحتلال حوّل القدس إلى مدينة بلا سيادة اقتصادية، تعمل ضمن منظومة قانونية وإدارية مزدوجة، تخضع فيها للضرائب والتخطيط الإسرائيليين، فيما تُحرم أدوات السياسة الاقتصادية الوطنية الفلسطينية. وقد أنتجت هذه الازدواجية، على مدى عقود، اقتصادًا هشًا تحوّل مع الحرب إلى اقتصاد محتجَز، فيما فاقمت سنوات الحرب وتداعياتها أزمات البطالة والسكن والتعليم، التي وصلت إلى مستويات غير مسبوقة.
منير قليبو
وارتفعت معدلات البطالة بنسبة 7.6%، بحسب المعطيات التي يستعرضها قليبو، نتيجة فقدان الوظائف وتشديد القيود على الحركة، وخصوصًا في أحياء خلف جدار الفصل العنصري، مثل كفر عقب ومخيم شعفاط، ما حال دون وصول العمال إلى أماكن عملهم.
كما شهد قطاع السياحة، الذي شكّل تاريخيًا نحو 40% من دخل القدس الشرقية، انهيارًا شبه كامل في ظل غياب السياح الأجانب بسبب الحرب. وأدى ذلك إلى تراجع نسب إشغال الفنادق الكبرى إلى نحو 58% في منتصف عام 2025، فيما تفاقمت معاناة الفنادق الفلسطينية الصغيرة جراء الإغلاقات والتسريح الواسع للعمال. ووفقًا لتقديرات معهد "ماس"، توقفت نحو 80% من المنشآت في البلدة القديمة كليًا أو جزئيًا خلال عام 2024.
أما أزمة السكن، التي يعتبرها قليبو الجبهة الأخطر في الأزمة الاقتصادية، فقد بلغت خلال سنوات الحرب مستويات غير مسبوقة. إذ أدت القيود على التراخيص وندرة العرض إلى ارتفاع الإيجارات، لتستهلك ما بين 60% و70% من دخل الأسرة المقدسية خلال عامي 2024 و2025، ما دفع كثيرًا من العائلات محدودة الدخل إلى الانتقال إلى أطراف المدينة، وحتى إلى خارج جدار الفصل العنصري، رغم تدهور الخدمات فيها ومخاطر فقدان "مركز الحياة"، وبالتالي الهوية المقدسية.
ولإلقاء المزيد من الضوء على هذه القضايا، أجرى "عرب 48" هذا الحوار مع الباحث منير قليبو.
"عرب 48": لا شك أن عزل القدس عن محيطها الفلسطيني أفقدها دورها كمركز حضري واقتصادي وإداري. وفي المقابل، لم تُفتح أمامها أبواب السوق الإسرائيلية على مصراعيها، بسبب القيود التي فرضها الاحتلال من جهة، والقيود الذاتية المرتبطة برفض الأسرلة من جهة أخرى. وقد فاقم هذا الوضع الأزمة الاقتصادية والاجتماعية في المدينة، التي بلغت ذروتها بعد السابع من أكتوبر، كما ذكرت. كيف تفسر ذلك؟
قليبو: وقعت القدس بين الطرفين، كما أشرت، بمعنى أن اقتصادها أصبح في وضع هجين؛ فهو ليس فلسطينيًا خالصًا ولا إسرائيليًا، وهذا يشكّل بحد ذاته سببًا للاضطراب الدائم والقلق في التعاملات المالية والنقدية، وفي مجالات التشغيل والإسكان والتعليم والصحة وغيرها من مجالات الحياة، في ظل غياب مرجعية اقتصادية واحدة.
وتفاقم هذا الوضع بعد الانتفاضة الثانية، مع تشديد القيود الاحتلالية على المدينة، وتعزيز الإغلاق والحواجز والمعابر، وإقامة الجدار الذي يعزلها عن الضفة الغربية. وقد عزلت هذه الإجراءات القدس عن الرئة الاقتصادية التي كانت تتنفس منها، من دون أن تفتح أمامها منافذ جدية أخرى في الاتجاه الإسرائيلي.
فإسرائيل لم تكن مستعدة، ولا راغبة، في استيعاب المقدسيين بسبب العوائق السياسية والأمنية، فيما لا يرغب المقدسيون في الانخراط في السوق الإسرائيلية، كما أنهم غير مؤهلين، من ناحية اللغة والمهارات الأخرى، للاندماج في هذه السوق، حتى لو أرادوا ذلك.
وقد حوّل هذا الواقع اقتصاد القدس إلى اقتصاد هش بلا سيادة، واقع ضمن منظومة قانونية وإدارية مزدوجة، يخضع للضرائب والتخطيط الإسرائيليين، ويُحرم أدوات السياسة الاقتصادية الوطنية الفلسطينية.
"عرب 48": لا يقتصر حصار الاحتلال لاقتصاد القدس على عزلها عن محيطها، بل يمتد إلى حصار داخلي يتمثل في منظومة التخطيط والضرائب، التي تجعل النشاط الاقتصادي الفلسطيني مرتفع التكلفة ومنخفض الجدوى، كما أشرت. كيف تعمل هذه المنظومة؟
قليبو: بالتأكيد، تجعل منظومة التخطيط والضرائب المستثمر أو صاحب المصلحة خاضعًا لسلسلة من الإجراءات والتراخيص المعيقة. وتُعتبر "الأرنونا"، أي ضريبة المسقفات التي تفرضها بلدية الاحتلال، العبء الأكبر، كونها تُفرض كتكلفة ثابتة لا ترتبط بالدخل.
وقد تضاعف أثر هذه الضريبة نسبيًا مع تراجع النشاط التجاري والسياحي، ما أدى إلى تراكم الديون وأوامر الحجز، وإلى إغلاقات طالت محالًا تاريخية ومهنًا حرة.
وتعمل "الأرنونا" كآلية تطهير اقتصادي طبقي، تُقصي المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتُبقي فقط المشاريع القادرة على تحمّل هذا العبء، أو تلك العاملة في الاقتصاد غير الرسمي.
ويتعمق هذا المسار بفعل قيود التخطيط الحضري وندرة تراخيص البناء للفلسطينيين، الأمر الذي يرفع تكاليف الإيجار ويمنع التوسع التجاري.
"عرب 48": من الواضح أن التضييق على المبادرات والمشاريع الاقتصادية داخل القدس، بالتزامن مع إغلاق المدينة وعزلها عن محيطها، يفاقم أزمة التشغيل. كيف انعكس ذلك على سوق العمل المقدسية؟
قليبو: أدى تقلّص المشاريع الفلسطينية داخل المدينة، نتيجة سياسات الاحتلال المقيّدة بشدة للنمو الاقتصادي المقدسي منذ عام 1967، إلى تراجع فرص العمل. كما عمّق بروز مراكز اقتصادية بديلة، مثل رام الله وبيت لحم، جذبت جزءًا مهمًا من رأس المال المقدسي، التبعيةَ للسوق الإسرائيلية، باعتبارها الخيار شبه الوحيد لسبل العيش لأكثر من 311 ألف مقدسي.
لكن بحلول أواخر عام 2025، ظهرت مؤشرات واضحة إلى محاولة استبدال العمالة الفلسطينية بعمالة مهاجرة من دول آسيوية في قطاعات، مثل الفنادق، الأمر الذي يهدد موقع المقدسيين حتى داخل السوق التي يعتمدون عليها.
كذلك، ازداد اعتماد المقدسيين على البنوك الإسرائيلية التي تقدم خدمات تقنية متطورة، لكنها لا تعمل كأدوات تنمية. إذ تشترط القروض التجارية ضمانات يصعب توفيرها، ما يعزز الاعتماد على القروض الاستهلاكية قصيرة الأجل لتغطية تكاليف المعيشة، لا للاستثمار.
كما أن غياب المؤسسات المالية الفلسطينية داخل المدينة أدى إلى هجرة رأس المال المقدسي نحو رام الله وغيرها من مدن الضفة الغربية وأريافها، وحوّل الادخار إلى آلية دفاع لا إلى أداة استثمار، فيما أصبح الدين الاستهلاكي أداة ضبط اجتماعية تُبقي الأفراد في سوق العمل، مهما كانت شروطه.
"عرب 48": معروف أن القدس مدينة سياحية يؤمها الحجاج والزوار من مختلف أنحاء العالم، وتشكل السياحة نحو 40% من اقتصادها، كما ذكرت. كيف أثرت الحرب على هذا القطاع؟
قليبو: إن ظروف الحرب، وما رافقها من إغلاق كنائس، ومنها كنيسة القيامة، أمام الزوار والمصلين، وجهت ضربة قاصمة لقطاع السياحة. ولا ننسى أن الحرب جاءت بعد أزمة جائحة "كورونا"، التي شهدت أيضًا إغلاقات متواصلة، ما أدى إلى تراجع بنسبة 58% في إشغال الفنادق.
وهذا ناهيك عن سيطرة الاحتلال على السياحة والتحكم بمساراتها. فالسائح الأجنبي يدخل القدس، فيزور "حائط المبكى" وكنيسة القيامة، ثم يغادر، من دون أن ينزل في فنادقها أو يأكل في مطاعمها أو حتى يشتري من محالها التجارية، لأنه يحمل توجيهات وتنبيهات بعدم الشراء من التجار الفلسطينيين، باعتبارهم "غير موثوقين".
ويعود الفضل إلى أهلنا في أراضي الـ48، الذين ينعشون الحياة في أسواق المدينة أيام الجمعة والسبت، ويمنحون تجارها بعض الأمل. ويضاف إلى ذلك العمال الآسيويون الذين يبلغ عددهم الآلاف، ويأتون للتسوق في المدينة أيام السبت.
فهؤلاء يعملون في الشطر الغربي من المدينة مع العجزة والمسنين، ويستغلون يوم عطلتهم الأسبوعية، الذي يصادف السبت، للتسوق في شرقي القدس، لأن الشطر الغربي يكون مغلقًا في هذا اليوم.
لكن الجانب السلبي في هذا الأمر هو أن هؤلاء العمال حلّوا محل العمال الفلسطينيين الذين كانوا يعملون في هذه المجالات.
"عرب 48": بعد السابع من أكتوبر وخلال حرب الإبادة على غزة، جرى تشديد القيود على تراخيص البناء وهدم البيوت، الأمر الذي فاقم أزمة السكن المتفاقمة أصلًا. كيف انعكس ذلك على المقدسيين؟
قليبو: السكن هو الجبهة الأخطر في الأزمة. فالقيود على التراخيص وندرة العرض رفعتا إيجارات السكن إلى مستويات تستهلك ما بين 60% و70% من دخل الأسرة المقدسية خلال عامي 2024 و2025.
وقد دفع هذا الضغط الاقتصادي الكبير كثيرًا من العائلات محدودة الدخل إلى الانتقال إلى أطراف المدينة، وحتى إلى خارج جدار الفصل العنصري، في كفر عقب والأحياء الواقعة خلف الجدار ومناطق التماس، حيث يدفعون ضريبة "الأرنونا" من دون أن يحصلوا على الخدمات المطلوبة.
ويعيش هؤلاء، رغم ذلك، في ظل شعور دائم بخطر فقدان "مركز الحياة"، وبالتالي فقدان الهوية المقدسية.
"عرب 48": في موضوع التعليم، لا شك أن منع نشاط وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" وإغلاق مدارسها في القدس زادا أزمة التعليم حدة أيضًا. كيف انعكس ذلك على الطلاب والعائلات المقدسية؟
قليبو: إن منع نشاط وكالة الغوث وإغلاق مؤسساتها في القدس طالا أيضًا المجال الصحي، حيث أُغلقت العديد من المؤسسات الصحية التي كانت تديرها، إضافة إلى إغلاق مدارسها التي كانت تضم آلاف الطلاب، الذين لم يجدوا أمامهم خيارًا سوى الانتقال إلى المدارس التابعة للبلدية، والتي تطبق المنهاج الإسرائيلي.
ويضاف إلى ذلك تآكل قطاع التعليم الخاص، إذ لم تعد كثير من العائلات المقدسية قادرة على تحمّل تكاليفه المرتفعة، في ظل تردي الوضع الاقتصادي.
ويفضي هذا الواقع إلى سيادة تدريجية للمدارس التابعة للبلدية، التي تطبق المنهاج الإسرائيلي، ويساهم في أسرلة التعليم.
"عرب 48": رغم كل ما ذكرت، يمكن ملاحظة بعض الانتعاش الاقتصادي في ضواحي المدينة. كيف تفسر ذلك؟
قليبو: يمكن ملاحظة ذلك في ضواحي بيت حنينا وشعفاط والشيخ جراح وبيت صفافا ومناطق التماس، التي ربما أُريد لها أن تكون متنفسًا يعوّض عن رام الله وبيت لحم، ناهيك عن أن هذا يندرج في إطار نقل المركز الاقتصادي من البلدة القديمة ومركز المدينة إلى أطرافها.
وتجدر الإشارة كذلك إلى إقامة مساحات تجارية إسرائيلية في مناطق التماس، بهدف جذب المستهلكين الفلسطينيين، مثل "مول ماميلا"، الواقع في جنوب الشطر الشرقي من المدينة، ومجمع "رامي ليفي"، الواقع في أطراف "عطروت" المحاذية لبيت حنينا شمالًا.
"عرب 48": في ظل هذا الخنق والحصار الاقتصادي، كيف تتدبر العائلات المقدسية أمور حياتها؟
قليبو: تشير المعطيات المنشورة إلى أن 41% من عائلات القدس تعيش تحت خط الفقر. وخلال عامي 2024 و2025، انتقل الفقر إلى مرحلة جديدة، تشكّل فيها انعدام أمن غذائي حاد، وذلك مع تراجع الاستهلاك بنسبة 24%.
كما عجز أكثر من 70% من السكان، من متلقي المساعدات، عن تحمّل تكاليف العلاج، فيما تلقى 27% منهم إنذارات بفصل الكهرباء عن بيوتهم.
ومن الجدير التنويه إلى أن شريحة واسعة من الأسر تعتمد على مخصصات "التأمين الوطني الإسرائيلي" باعتبارها شبكة أمان حاسمة، لكنها مشروطة بإثبات مكان السكن ضمن حدود بلدية القدس الإسرائيلية. وقد حوّل هذا الشرط الدعم إلى أداة ضبط لكثير من المقدسيين، وتقييد خياراتهم الاقتصادية والاجتماعية.
منير قليبو: كاتب وباحث في شؤون القدس، وتربوي وخبير سابق في التنمية والحوكمة وقضايا العمل. عمل في التعليم العالي والخدمة العامة والعمل الدولي مع الأمم المتحدة في فلسطين والمنطقة العربية.
انتقل من العمل محاضرًا وعميدًا في الكلية الإبراهيمية في القدس إلى رئاسة ديوان وزير المالية الفلسطيني، ومن هناك إلى برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، حيث تولى مسؤولية وحدة الحوكمة والقطاع العام، وأسهم في برامج بناء المؤسسات الفلسطينية، وإدارة برنامج متطوعي الأمم المتحدة، واستقطاب الخبرات الفلسطينية في الشتات من خلال برنامج "توكتن".
وشغل منصب ممثل منظمة العمل الدولية في القدس بين عامي 2008 و2023، وعمل على تعزيز حقوق العمال والعمل اللائق والحوار الاجتماعي والحماية الاجتماعية، وتطوير سياسات التشغيل والتدريب المهني، ودعم مشاركة النساء والأشخاص ذوي الإعاقة في سوق العمل.
حوار مع منير قليبو: اقتصاد القدس بين احتجاز النمو ومسار الأسرلة
تأثر اقتصاد القدس خلال عامي 2024 و2025 بالحرب على غزة أكثر من غيره، ما خلّف آثارًا عميقة لا يمكن اختزالها في الركود أو التداعيات المؤقتة للحرب. فالمدينة التي عاشت عقودًا تحت منظومة قيود احتلالية مزمنة، دخلت خلال هذه الفترة مرحلة أكثر عمقًا من الأزمة، تعطلت فيه
