2026/11/01Last News | آخر الأخبار على مدار الساعة19° حيفا
Last News | آخر الأخبار — Last News
عربي ودولي

رصاص في الكنيسة

لم تثبت بعد الجهة المسؤولة عن الجريمة التي وقعت في كنيسة "حمود" في محافظة الكرك. السلطات أعلنت أن هوية المنفذين معروفة لديها، ولكنها لم تعلن عن نجاحها في اعتقالهم حتى كتابة هذه السطور. انتظار معرفة القتلة لا يمنع السؤال: كيف يمكن لإنسان أن يعتقد بأن إطلاق النا

رصاص في الكنيسة
لم تثبت بعد الجهة المسؤولة عن الجريمة التي وقعت في كنيسة "حمود" في محافظة الكرك. السلطات أعلنت أن هوية المنفذين معروفة لديها، ولكنها لم تعلن عن نجاحها في اعتقالهم حتى كتابة هذه السطور.
انتظار معرفة القتلة لا يمنع السؤال: كيف يمكن لإنسان أن يعتقد بأن إطلاق النار على مدنيين أبرياء هو عمل مشروع؟ وغالبًا ما يُعزى هذا الفعل إلى التطرف الديني.
لا يبدأ هذا الطريق بالضغط على الزناد. يبدأ حين يُختزل الإنسان في هويته القومية أو الدينية أو المذهبية. يغيب اسمه ووجهه وأطفاله وأحلامه، ولا يبقى منه في عين المجرمين سوى عنوان يبرر الاعتداء عليه: كافر أو مرتد أو عدو.
للتكفير جذور قديمة في التاريخ الإسلامي، فهو لم ينشأ أساسًا لتكفير المسيحيين أو اليهود، بل لتكفير بعض المسلمين أنفسهم.
من أبرز محطاته ظهور الخوارج خلال الصراع بين علي بن أبي طالب ومعاوية، وخصوصًا بعد التحكيم الذي أعقب معركة صفّين سنة 657 ميلادية. توسّعت فرق متشددة منهم في إخراج المخالف لها من الإسلام واستباحة دمه، أي احتكار الإيمان وتحويل الخلاف إلى حُكم على حق المخالف في الحياة.
في القرن العشرين، اكتسب هذا المنطق صيغًا جديدة. ذهبت جماعات ببعض هذه الأفكار إلى تكفير المجتمع والانعزال عنه. ومن أمثلتها جماعة في مصر عُرفت باسم "التكفير والهجرة". وصل الأمر إلى اعتبار خروج العضو من الجماعة خروجًا من الإسلام واستباحة دمه.
بعد الغزو السوفييتي سنة 1979، قاومت فصائل أفغانية متعددة القوات السوفييتية.
دعمت الولايات المتحدة والسعودية وبلدان غربية وعربية وإسلامية تدور في الفلك الأميركي الفصائل الأفغانية عبر باكستان، وفي هذه البيئة نشأت شبكات تجنيد وتمويل وتدريب عابرة للحدود، وتأسست القاعدة سنة 1988 بقيادة أسامة بن لادن. وبلا شك أن أجهزة مخابرات عالمية كانت تعمل بنشاط في هذه البيئة.
انتهت الحرب مع السوفييت، وبقيت لدى قسم من المقاتلين شبكات السلاح والعلاقات وفكرة الحرب المفتوحة. انتقل بعضهم من مقاومة احتلال في بلد محدد مثل أفغانستان إلى مشروع يبحث لنفسه كل مرة عن عدو جديد، كي يضمن استمراره.
الطريق إلى داعش كان ساحته الحاسمة العراق بعد حصاره الطويل وسقوط مئات آلاف الضحايا، ثم الغزو الأميركي سنة 2003. هناك وجد أبو مصعب الزرقاوي بيئة للتمدد بعد انهيار الأمن وتفكك مؤسسات الدولة، ومن مسار تنظيمه الذي التحق بالقاعدة، خرجت التنظيمات التي انتهت إلى داعش وإعلان "الخلافة" الإسلامية سنة 2014.
داعش السنّي وسّع دائرة أعدائه لتشمل الشيعة وعلماء من السنّة يعارضونه وفصائل رفضت سلطته، فصار الولاء للتنظيم ومبايعته معيارًا يحكم به على إيمان الآخرين.
للتوضيح، فإن التكفير بمعناه الدقيق هو إخراج مسلم من الإسلام، أما المسيحي واليهودي فهما أصحاب دين آخر أصلًا، وأهل الكتاب لا يُعتبرون كفارًا في العقيدة الإسلامية، ومثلًا، فالإسلام حرّم الزواج من المشركات، ولكنه أباح الزواج من الكتابيات (مسيحية أو يهودية)، مع السماح ببقاء الزوج والزوجة، كلٌّ على دينه.
وقعت مجزرة كنيسة (حمود) في الكرك في مناخ سياسي يزيد من خطر استثمارها. فقد سبقتها تصريحات لترامب حمّل فيها المسلمين والمهاجرين مسؤولية الاضطرابات في فرنسا، وقال إن باريس ستصبح إسلامية، مع أن السلطات الفرنسية رفضت هذا التعميم، ويقود الحراك مجموعات يسارية مثل الحزب الشيوعي الفرنسي. ولكن اليمين المتطرف يحجب الأسباب الاجتماعية للاحتجاجات، ويستعيض عنها بمتهم جاهز يحمل هوية دينية، هي الإسلام في هذه الحالة.
امتد استهداف ترامب إلى سياسيين أميركيين مسلمين، بينهم عبد الرحمن السيد وإلهان عمر ورشيدة طليب، مستثمرًا هويتهم الدينية في المنافسة الانتخابية للتحريض عليهم بحجة خطر الإسلام على أميركا، علمًا أن نسبة المسلمين في أميركا أقل من 2% من الأميركيين. وقد اضطرت إلهان عمر إلى تغيير مكان سكنها خشية الاعتداء عليها من بعض أنصار ترامب.
طبعًا، يوجد متطرفون من أعراق وديانات أخرى، فهذا ليس محصورًا بالمسلمين، وقد جرى قتل أبرياء مسلمين خلال صلاتهم في مساجد، مثل نيوزيلندا وأستراليا وفرنسا وألمانيا وغيرها. أضف إلى هذا تفجيرات إسلامية-إسلامية مذهبية انتحارية في مساجد في باكستان وأفغانستان وإيران.
في هذا المناخ، تُمنح جريمة تستهدف مسيحيين أثناء جنازة مادة جاهزة لدعاة الكراهية ضد المسلمين. يستطيع المحرّض أن يرفع صور الضحايا، ويحجب مئات ملايين المسلمين الذين يدينون قتلهم، ليقول لجمهوره: هذا ما حذّرناكم منه، الإسلام دين الكراهية والدم. وفي المقابل، يستثمر المتطرف الإسلاموي العداء للمسلمين ليقنع أتباعه بأن التعايش مستحيل مع المختلف، ويفتح ملفات الحروب الصليبية وجرائم الاستعمار الغربي في العالم، ومنها دول العرب والمسلمين، حتى حصار العراق وتدمير إيران، وإبادة غزة.
تتغذّى الدعايتان من بعضهما من غير اتفاق أو تنسيق بين أصحابهما، وتدفع المجتمعات والناس الذين يريدون التعايش، وهم الأكثرية، ثمن هذه الدائرة.
من اللافت أن الجريمة أتت بعد خطاب الملك عبد الله الثاني أمام الأمم المتحدة في الثاني والعشرين من أيلول، الذي حذّر فيه من الخطر الإقليمي للسياسات التوسعية الإسرائيلية. وبعد حوار أجراه الإعلامي الأميركي (تاكر كارلسون) في شباط الماضي مع المصرفي الأردني سعد المعشّر، رئيس إدارة البنك الأهلي الأردني (وهو مسيحي)، الذي تحدث عن اندماج المسيحيين العرب في المجتمع الأردني مع المسلمين، وعن الإسلام كجزء من ثقافتهم، وعن حماية الأردن للمقدسات المسيحية، مما يثير تساؤلًا كبيرًا حول توقيت الجريمة ومن يقف وراءها ويحرّك منفذيها.
يُحمَّل المسلم في فرنسا مسؤولية فعل لم يرتكبه، ويُشكَّك في أهلية السياسي الأميركي وحقه بسبب دينه، ويُعتدى على العربي في قطار لأنه نطق بالعربية، ويُقتل المسيحي في كنيسته، ويعاقب آخر بسبب مذهبه أو حتى انتمائه العشائري. في كل حالة يُطلب من الإنسان أن يدفع ثمن هويته.
لهذا، فإن إدانة العنصرية والتحريض على المختلف، كائنًا من كان، هي حماية للجميع ووسيلة للتعايش، وعدم تسييس الدين أو استغلاله للتحريض على الآخر هو الطريق الأسلم للجميع.
من يرفض الجرائم على خلفيات دينية أو قومية وإثنية، عليه أن يرفضها لدى الجميع وليس انتقائيًا، وأن يدافع عن حق كل مواطن في العيش بسلام في وطنه، وفي حرية معتقده وطقوسه أينما كان.
من نتائج مثل هذه الجرائم أنها تمنح خطاب ترامب تغطية أخلاقية لدى البعض، وتمنح المعتدين على الفلسطينيين فرصة لصرف الأنظار عن جرائمهم اليومية التي يرتكبونها بحق الأبرياء.
باعتقادي أن التنظيمات التكفيرية مخترقة مخابراتيًا على مستوى عالمي، ويصل "شيوخ" وأصحاب نفوذ إلى قمة تنظيماتها، وإلى مواقع اتخاذ القرارات، فتأتي الجرائم في توقيت كأنه "عز الطلب" لأمثال ترامب ونتنياهو وبن غفير، الذين تشفّوا في الفرنسيين والأوروبيين، والآن دور الأردن والمسيحيين العروبيين ليتشفّوا بهم.
تابع قناتنا على واتساب