حققت تركيا اختراقا دبلوماسيا في ملف ترسيم الحدود البحرية بشرق المتوسط، بعد مصادقة مجلس النواب في شرق ليبيا على مذكرة تفاهم وقعتها حكومة طرابلس عام 2019، في خطوة تعزز طموحات أنقرة في استكشاف موارد النفط والغاز، لكنها تنذر بتجدد الخلافات مع دول إقليمية تعتبر الاتفاق مساسا بحقوقها البحرية.
وتنص المذكرة على إعادة ترسيم المناطق الاقتصادية الخالصة بين البلدين، بما يمنحهما حقوقا خاصة في استغلال الموارد البحرية، إلا أن تداخل بعض المناطق المشمولة بالاتفاق مع نطاقات بحرية تطالب بها دول أخرى يثير مخاوف من تصاعد التوترات السياسية والقانونية في المنطقة.
تقارب تركي مع طرفي الصراع الليبي
وتكتسب المصادقة على الاتفاق أهمية سياسية، إذ تأتي بعد سنوات من الانقسام الليبي بين حكومة طرابلس والسلطات المنافسة في الشرق، التي يقود معسكرها العسكري خليفة حفتر.
وكانت تركيا قد تدخلت عام 2019 لدعم حكومة طرابلس في مواجهة الهجوم الذي شنته قوات حفتر على العاصمة، لكنها نجحت لاحقًا في بناء علاقات مع الأطراف الليبية المختلفة.
ويرى مراقبون أن هذا التقارب يمثل مكسبا دبلوماسيا لأنقرة، التي باتت قادرة على تعزيز حضورها لدى طرفي الصراع. كما تعكس المصادقة على الاتفاق مساعي معسكر حفتر لتوطيد علاقاته مع تركيا، في ظل الضغوط الأميركية والأممية الرامية إلى إعادة توحيد ليبيا، وسعي القوى المتنافسة إلى ضمان موقع مؤثر في أي تسوية سياسية مستقبلية.
ويشير محللون إلى أن قيادة شرق ليبيا تسعى من خلال هذه الخطوة إلى إثبات قدرتها على الالتزام بالتفاهمات مع أنقرة، في وقت تتزايد فيه أهمية الدور التركي بالنسبة إلى حساباتها السياسية ومصالحها المستقبلية.
ثروات الطاقة في قلب التنافس
وتتزايد أهمية الاتفاق في ظل التنافس على موارد الطاقة في شرق المتوسط، بعد اكتشاف احتياطات كبيرة من الغاز قبالة سواحل إسرائيل وقبرص منذ عام 2009، واكتشاف حقل ظهر المصري عام 2015، الذي عزز موقع مصر في سوق الغاز الإقليمية.
وأدت هذه الاكتشافات إلى تصاعد النزاع حول ترسيم الحدود البحرية والمناطق الاقتصادية الخالصة، في ظل تداخل المطالبات بين تركيا وليبيا ومصر وقبرص وإسرائيل ولبنان، ما جعل تحديد نطاقات السيادة البحرية عاملًا أساسيًا في مستقبل مشاريع التنقيب والطاقة.
وفي هذا السياق، وقعت المؤسسة الوطنية للنفط الليبية وشركة البترول التركية مذكرة تفاهم في حزيران/يونيو 2025 لإجراء دراسات جيولوجية وجيوفيزيائية في المياه الليبية. كما حصلت الشركة التركية على حقوق للتنقيب في مناطق برية وبحرية ضمن أول جولة تراخيص ليبية للنفط والغاز منذ 17 عاما.
اعتراضات إقليمية واختبار في البحر
وأثار الاتفاق اعتراضات من الاتحاد الأوروبي واليونان وإسرائيل ومصر، التي ترى أنه يمس حقوقها السيادية ويتعارض مع القانون الدولي.
ومن شأن المصادقة عليه أن تمنح أنقرة دفعة سياسية لمواصلة أنشطة المسح البحري والتفاوض بشأن مشاريع التنقيب، إلا أن تنفيذ هذه الخطوات قد يصطدم بتحديات قانونية وجيوسياسية.
ويرى خبراء أن الاختبار الفعلي للاتفاق سيكون في المياه، حيث ستكشف تحركات سفن المسح والتنقيب مدى قدرة الطرفين على تحويل التفاهم إلى مشاريع عملية، في ظل احتمال مواجهة اعتراضات إقليمية. وقد تمتد تداعيات أي تصعيد إلى مشاريع أخرى، من بينها كابلات الربط الكهربائي والاتصالات البحرية.
وفي موازاة ذلك، تواصل أنقرة الترويج لدورها في دعم إعادة توحيد ليبيا، إذ دعت إلى دمج الهياكل العسكرية المتنافسة في إطار جيش وطني موحد. كما طرحت على مصر الدخول في مفاوضات بشأن ترسيم الحدود البحرية في شرق المتوسط، بعدما أدانت القاهرة الاتفاق التركي الليبي واعتبرته انتهاكًا لحقوقها السيادية.
وبذلك، يضع الاتفاق تركيا أمام فرصة لتعزيز نفوذها البحري والاقتصادي في المنطقة، لكنه يفتح في الوقت نفسه جبهة جديدة من الخلافات الإقليمية التي قد تحدد مسار التعاون في مجال الطاقة ومستقبل التوازنات الجيوسياسية في شرق المتوسط.
اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين تركيا وليبيا يثير خلافات شرق المتوسط
حققت تركيا اختراقا دبلوماسيا في ملف ترسيم الحدود البحرية بشرق المتوسط، بعد مصادقة مجلس النواب في شرق ليبيا على مذكرة تفاهم وقعتها حكومة طرابلس عام 2019، في خطوة تعزز طموحات أنقرة في استكشاف موارد النفط والغاز، لكنها تنذر بتجدد الخلافات مع دول إقليمية تعتبر الا
