بين خيبة الأمل من انقسام الأحزاب العربية وتصاعد المخاوف من سياسات الحكومة الإسرائيلية، بدأ الشارع العربي يستعيد حماسته للمشاركة في انتخابات الكنيست، مدفوعا بالشعور بضرورة حماية حضوره السياسي، وعدم ترك الساحة لخصومه.
وبعيدا عن استطلاعات الرأي وتقديراتها بشأن نسبة التصويت في انتخابات الكنيست السادسة والعشرين، التي قد تتجاوز 70% وتلامس 80% وفق بعض التوقعات، هناك استطلاعات من نوع آخر لا تظهر على الشاشات، ولا تنشر في الصحف أو المواقع الإلكترونية، لكنها بالنسبة إلي، كصحافي عاش الشارع العربي وتابع نبضه على مدار ثلاثة عقود، لا تقل أهمية عن أي استطلاع مهني.
إنها استطلاعات الميدان، من الكلام مع الناس في البلدات العربية، ومن جلسات المقاهي الشعبية، ومن اللقاءات في المناسبات والأماكن العامة، حيث تسمع ما يدور في خاطر الناس، وتلتقط مشاعرهم ومواقفهم، وتفهم ما الذي يوجعهم، وما الذي يخيفهم، وما الذي يمكن أن يغير رأيهم.
استطلاعات الميدان.. نبض الشارع بعيدا عن الأرقام
منذ بداياتي في عالم الصحافة والإعلام، اعتدت أن أستمع أكثر مما أتكلم، وأن أترك للناس مساحة يتكلمون فيها من دون مقاطعة أو توجيه. فالمقهى الشعبي بالنسبة إلي ليس مجرد مكان لشرب القهوة وتبادل الأحاديث، بل مساحة مفتوحة لفهم المجتمع، وبوصلة تساعدني على قراءة التحولات واستشراف ما قد يأتي.
هناك، بين فنجان قهوة وآخر، تسمع نقاشا عن الانتخابات، وآخر عن الجريمة والعنف، وثالثا عن الأرض والمسكن والمستقبل، وتكتشف كيف تتداخل السياسة مع تفاصيل الحياة اليومية، وكيف تتشكل مواقف الناس بعيدا عن الحسابات الحزبية المغلقة.
وقبل انتخابات الكنيست الحالية، كان المشهد مختلفا تماما. بعد فشل مبادرة وثيقة سخنين، وتعذّر تشكيل قائمة عربية مشتركة تضم الأحزاب الأربعة، كان الغضب الشعبي واضحا، والخيبة كبيرة.
الناس كانت تريد المشتركة، وكانت ترى أن وحدة الأحزاب ليست ترفا سياسيا، بل ضرورة في مرحلة مصيرية. وحين تبددت هذه الآمال، سمعت في الشارع كلاما قاسيا وعتبا كبيرا، ووصل الإحباط عند البعض إلى حد التلويح بمقاطعة الانتخابات، فيما ذهب آخرون إلى الحديث عن التصويت لأحزاب صهيونية، ليس اقتناعا بمشروعها بالضرورة، بل من باب معاقبة الأحزاب العربية التي أخفقت في تحقيق مطلب الوحدة.
فشل الوحدة يفتح باب الإحباط والمقاطعة
كان الحديث يومها ثقيلا، والنقاش مع الناس صعبا. تسمع من يقول: "ما لنا وللانتخابات؟"، ومن يسأل: "إذا عجزوا عن الوحدة، فكيف يريدون تمثيلنا؟"، ومن يعبر عن خوفه من مستقبل المجتمع العربي، في ظل الانقسام وتفشي الجريمة وتراجع الثقة بالقيادات والأحزاب. لم يكن الأمر مجرد خلاف على قائمة انتخابية، بل حالة وجع أعمق، وشعور بأن المجتمع العربي يواجه مرحلة مفصلية فيما قواه السياسية عاجزة عن تقديم الحد الأدنى من الوحدة التي ينتظرها الناس.
ومع مرور الوقت، بدا أن الناس تعبت حتى من الحديث عن الانتخابات نفسها. لم يعد النقاش حول المشتركة والموحدة يثير الحماسة ذاتها، بل حل مكانه شعور بالملل والإحباط، وكأن الشارع بدأ يفقد اهتمامه بالمعركة الانتخابية قبل أن تبدأ.
في جلسات المقاهي، وفي اللقاءات اليومية، كان واضحا أن الثقة اهتزت، وأن الوعود السياسية لم تعد كافية لإقناع الناس، وأن هناك حاجة إلى حدث يعيد ترتيب الأولويات ويخرج الجمهور من حالة اللامبالاة.
شطب الأحزاب يعيد ترتيب الأولويات
لكن المشهد بدأ يتغير مع قرار لجنة الانتخابات المركزية شطب الأحزاب العربية ومنعها من خوض الانتخابات، قبل أن تنظر المحكمة العليا في القضية وتتخذ قرارها. هنا، بدا أن المسألة تجاوزت الخلافات بين الأحزاب، وأن الخطر الذي يشعر به الناس بات أكبر من عتابهم على قياداتهم. فجأة، عادت الأسئلة الأساسية إلى الواجهة: من يمثلنا؟ وما مصير صوتنا؟ وكيف نواجه سياسات التحريض والعنصرية ومحاولات التضييق على التمثيل السياسي العربي؟
قرار شطب الأحزاب العربية يعيد المشاركة السياسية إلى الواجهة (عرب 48)
في هذه اللحظة تبدلت الأولويات، وما كان قبل أسابيع سببا للإحباط، أي فشل الوحدة الرباعية، لم يعد وحده محور الحديث. فقد عاد الخوف على المستقبل، وعلى مكانة المواطنين العرب وحقوقهم ليتقدم على الخلافات الحزبية.
ومع تصاعد الشعور بأن المشاركة السياسية نفسها باتت موضع استهداف، بدأ الناس يعيدون حساباتهم، لا حبا بالكنيست، ولا اقتناعا بأن الأحزاب العربية لم تخطئ، بل لأنهم شعروا بأن الغياب عن صناديق الاقتراع قد يترك الساحة مفتوحة أمام القوى التي يريدون التصدي لسياساتها.
من العتاب إلى الخوف على التمثيل السياسي
وخلال الأسبوع الأخير قبل الانتخابات، بدأت أسمع نبرة مختلفة تماما. بدلا من السؤال عمّا إذا كان الناس سيشاركون، صار الحديث عن نسبة التصويت المتوقعة: "كم ستكون النسبة؟ 70%؟ 80؟ أكثر؟"، هذا التحول في المزاج الشعبي كان لافتا. الإحباط لم يختفِ بالضرورة، والعتب لم يتبخر، لكنهما تراجعا أمام شعور متجدد بالمسؤولية، وبأن هذه المرة لا تحتمل ترك القرار للآخرين.
المخاوف على التمثيل السياسي تتقدم على الخلافات الحزبية (عرب 48)
في كل بلدة ومدينة، كان الاهتمام بالانتخابات يعود إلى الواجهة، وأحيانا بدا المشهد أقرب إلى انتخابات السلطات المحلية منه إلى انتخابات الكنيست. فترى العائلات والناشطين والأصدقاء يتناقشون في الخيارات، والناس يتبادلون التقديرات بشأن حجم المشاركة، وكأن المنافسة لم تعد فقط بين الأحزاب، بل أيضا على إثبات الحضور وإظهار الوزن السياسي للمجتمع العربي. وفي بعض البلدات، انقسمت النقاشات والتحالفات بين المشتركة والموحدة بطريقة تذكر بالمنافسات المحلية، وهو ما قد تكون له انعكاسات مستقبلية على شكل التحالفات في انتخابات السلطات المحلية المقبلة.
واللافت أكثر أن سؤالا اعتدنا سماعه في كل استحقاق انتخابي، "ماذا فعل النواب العرب لأجلنا؟"، لم يعد يتصدر النقاش الشعبي كما في السابق. ولا يعني ذلك أن الناس نسوا إخفاقات الأحزاب، أو أنهم تخلوا عن حقهم في المحاسبة، بل أن المزاج العام انتقل إلى مكان آخر.
لم يعد النقاش الأساسي: من قدّم أكثر؟ ومن قصّر؟ بل صار: كيف نحافظ على حضورنا؟ وكيف نمنع تهميشنا؟ وكيف نواجه واقعا يشعر فيه كثيرون بأن الجريمة المنظمة والعنف وسياسات التضييق تهدد المجتمع من الداخل، فيما تتفاقم المخاوف من خطاب الحكومة وسياساتها؟
المشاركة تتقدم على حسابات المقاطعة
في الشارع، تسمع من يقول إنه سيصوت للمشتركة، وآخر يؤكد دعمه للموحدة، وثالثا لا يخفي عتبه على الجميع، لكنه يصر على المشاركة. قد تختلف الخيارات، وقد تتباين الحسابات، لكن القاسم المشترك الذي لمسته في أحاديث الناس هو أن المقاطعة لم تعد الخيار المهيمن على المزاج الشعبي، وأن هناك رغبة واضحة في عدم ترك الساحة فارغة. إنها مشاركة لا تنبع بالضرورة من حب الأحزاب، بقدر ما تنبع من الإحساس بأن المرحلة خطيرة، وبأن الصوت العربي يجب أن يكون حاضرا ومسموعا.
الشارع العربي يستعيد حماسته للمشاركة مع اقتراب موعد الانتخابات (عرب 48)
وهنا تكمن المفارقة: فالأحزاب التي خيبت آمال جمهورها في الوحدة، وجدت نفسها أمام جمهور يعيد منحها فرصة، ليس على بياض، بل من منطلق المسؤولية والخوف على المستقبل.
لقد وفرت الجماهير، في الأيام الأخيرة، ما يشبه شبكة أمان شعبية للقوائم العربية، وأعادت فتح الباب أمام مشاركة قد تحمل رسالة سياسية تتجاوز نتائج الصناديق، مفادها أن الخلافات الحزبية لا تستطيع إلغاء حقيقة أن المجتمع العربي يواجه تحديات مشتركة، تتطلب حدا أدنى من التماسك والعمل الجماعي.
ما بعد الانتخابات.. اختبار الوحدة والعمل المشترك
لكن هذه الرسالة لا ينبغي أن تقرأ بوصفها تفويضا مفتوحا للأحزاب، ولا أن تتحول إلى مبرر لتأجيل الحساب والمراجعة. فالثقة التي يعيد الجمهور منحها اليوم يمكن أن تتبدد غدا إذا عادت الحسابات الضيقة إلى الواجهة، وإذا بقيت الوحدة شعارا انتخابيا بدل أن تتحول إلى ممارسة سياسية ومجتمعية.
ما بعد الانتخابات: اختبار الأحزاب العربية في الوحدة والعمل المشترك (عرب 48)
وما ينتظره الناس لا يقتصر على تنسيق انتخابي عابر، بل يشمل بناء عمل مشترك في مواجهة الجريمة والعنف، والدفاع عن الأرض والمسكن، وتعزيز المؤسسات واللجان الشعبية والمهنية، وإعادة وصل السياسة بحياة الناس اليومية.
ومن هنا، فإن اختبار الأحزاب العربية الحقيقي لا يبدأ عند إعلان النتائج، بل في اليوم التالي للانتخابات. هل ستستطيع المشتركة والموحدة، وكل القوى والحركات الفاعلة في المجتمع العربي استثمار هذا الزخم الشعبي لبناء شراكة أوسع؟ وهل ستتجاوز خلافاتها لمواجهة القضايا التي لا تميز بين ناخب وآخر، ولا بين بلدة وأخرى؟ وهل ستدرك أن الكنيست ساحة من ساحات العمل السياسي، لكنه ليس الساحة الوحيدة؟
"نحن هنا".. رسالة تتجاوز صناديق الاقتراع
بعد ثلاثين عاما من التجوال في البلدات العربية والجلوس مع الناس في مقاهيها وساحاتها، تعلمت أن المزاج الشعبي لا يُقرأ فقط من خلال ما يقوله الناس عن الأحزاب، بل أيضا من خلال ما يخافون منه، وما يرفضونه، وما يشعرون بأنهم مهددون بخسارته. وما أسمعه اليوم يشير إلى أن كثيرين قرروا وضع خلافاتهم وعتبهم جانبا، ولو مؤقتا، من أجل الدفاع عن حضورهم وحقهم في التأثير في مستقبلهم.
الجريمة والعنف والأرض والمسكن في صلب تطلعات المجتمع العربي (عرب 48)
قد ترتفع نسبة التصويت، وقد تأتي النتائج مختلفة عن التوقعات، لكن الأهم من الأرقام هو ما يقوله هذا التحول عن المجتمع العربي: إنه مجتمع غاضب من قياداته أحيانا، ومحبط من الانقسام، ومتعب من العنف والجريمة، لكنه لم يتخل عن إحساسه بالمسؤولية تجاه مستقبله.
وفي نهاية المطاف، لا يذهب الناس إلى الصناديق لأنهم راضون عن كل ما يجري، بل لأنهم لا يريدون أن يتركوا مصيرهم لغيرهم. ومن قلب هذا المزاج الشعبي، تتردد رسالة واضحة إلى صناع القرار في إسرائيل وإلى المجتمع اليهودي: مهما اشتدت سياسات التحريض والتضييق، ومهما تعمقت الأزمات والانقسامات، فإن المواطنين العرب متمسكون بأرضهم وحقوقهم وحضورهم.
من الإحباط إلى "نحن هنا".. ما الذي تغير في الشارع العربي قبل انتخابات الكنيست؟
بين خيبة الأمل من انقسام الأحزاب العربية وتصاعد المخاوف من سياسات الحكومة الإسرائيلية، بدأ الشارع العربي يستعيد حماسته للمشاركة في انتخابات الكنيست، مدفوعا بالشعور بضرورة حماية حضوره السياسي، وعدم ترك الساحة لخصومه. وبعيدا عن استطلاعات الرأي وتقديراتها بشأن نس
