تتعدد الزوايا التي يمكن النظر من خلالها إلى نتائج الانتخابات الإسرائيلية، ولا سيما نتائج التصويت للقوائم العربية، مثلما تعددت المواقف من المشاركة الانتخابية أو مقاطعتها، وهو خلاف ظهر بحدة قبل الانتخابات. وليس من السهل، في ظل واقع فلسطيني وإسرائيلي شديد التعقيد، ضبط البوصلة السياسية والمعايير الوطنية والأخلاقية في تقييم هذه المشاركة ونتائجها، والأهم من ذلك في تحديد كيفية التعامل مع هذه النتائج وتوظيفها سياسيًا.
من الطبيعي أن يسود الارتباك أوساطًا من القائمة المشتركة، في حين أن قيادة القائمة الموحدة، الإسلامية الجنوبية، تبدو أقل تعرضًا لهذا الارتباك، بعدما ابتعدت منذ زمن عن الضوابط الوطنية والأخلاقية التي حكمت تاريخيًا سلوك القوى السياسية الفلسطينية. لكن المعضلة الأعمق لا تقتصر على القيادات، بل تمتد إلى أوساط شعبية وشرائح واسعة من النخب التي قررت التصويت، مدفوعة برغبتين أساسيتين: الأولى، ذات طابع تكتيكي؛ الإسهام في إسقاط حكومة نتنياهو وبن غفير وسموتريتش والتخفيف من توحش المنظومة الصهيونية، والثانية، ذات طابع استراتيجي؛ استعادة حالة من الوحدة الفلسطينية الداخلية، ولو بصورة جزئية، في لحظة عصيبة افتقد فيها شعبنا هذه الحالة سنوات طويلة.
كيف يمكن إذن قراءة النتائج قراءة موضوعية، من دون الوقوع في أسر المواقف المسبقة، ومن دون أن يتحول النجاح الانتخابي إلى مبرر للتخلي عن المعايير الوطنية والأخلاقية؟ وكيف يمكن استثمار القوة التي أظهرها التصويت من دون اختزال الصراع في التنافس بين معسكرات صهيونية، أو في المفاضلة بين حكومات تختلف في أساليبها بينما تستمر المنظومة الإبادية التي تحكم حياة الفلسطينيين وتهدد وجودهم وحقوقهم ومصيرهم؟
نتائج مهمة، ولكن ما الذي تعنيه سياسيًا؟
إذا بدأنا من النتائج ذاتها، أمكن القول إنها شكلت تطورًا لافتًا في تاريخ المعارك الانتخابية التي خاضها الفلسطينيون منذ النكبة. فمن الناحية الفلسطينية، ولا سيما داخل الخط الأخضر، أسهمت هذه النتائج في استعادة شعور بالقوة والثقة بالقدرة على الفعل، وهو شعور لم تنجح السنوات الماضية في إنتاجه بالقدر نفسه، على الرغم من تصاعد القمع والملاحقة والتحريض، الذي اشتد بصورة غير مسبوقة بعد السابع من أكتوبر. وهذا الشعور قابل للزوال إذا لم تتبعه خطة عمل حقيقية ورؤية وطنية.
أما على الجانب الإسرائيلي، فقد أسهمت النتائج في تعميق أزمة منظومة الحكم وتعقيد المشهد السياسي أمام معسكر عصابة نتنياهو. صحيح أن المصوتين الفلسطينيين، وقطاعات واسعة من شعبنا، كانوا يتمنون توجيه ضربة سياسية حاسمة لهذا المعسكر، لا مجرد إضعافه، وإن كانوا يدركون أن البديل لا يقل إجرامًا، لكن النتيجة التي تحققت تبقى ذات دلالة، خصوصًا في ظل محاولات عصابة نتنياهو التشكيك فيها والترويج لادعاءات التزوير، مع تكليف الشرطة وجهاز الشاباك بفحصها. وهذه الخطوات تفتح الباب أمام جبهة جديدة من التحريض والملاحقة ضد فلسطينيي الـ48، الذين مارسوا حقهم في التصويت رغم حملات التخويف والتشويه التي استهدفتهم.
ومع ذلك، فإن أهمية هذه النتائج لا ينبغي أن تُقاس فقط بمدى تأثيرها في موازين القوى داخل النظام السياسي الإسرائيلي. فالقوة التي أظهرها الفلسطينيون لا تكتسب معناها الوطني بمجرد إضعاف حكومة بعينها، بل بمدى قدرتها على تعزيز حضورهم الجماعي، وتوسيع إمكانات فعلهم السياسي والشعبي والمؤسساتي، والدفع نحو إعادة بناء مشروع وطني يستجيب لواقعهم ولطبيعة الصراع الذي يخوضونه، الذي هو جزء من الصراع الكولونيالي الذي يخوضه سائر الشعب الفلسطيني.
هنا ينبغي التمييز بين النجاح الانتخابي بوصفه واقعة سياسية، وبين تحويل هذا النجاح إلى قوة وطنية مستدامة. فالانتخابات قد تتيح فرصة، لكنها لا تنتج وحدها استراتيجية تحررية، ولا تعوّض غياب المؤسسات التمثيلية الفاعلة، ولا تحل معضلة العلاقة بين الفلسطينيين والدولة التي تحكمهم بوصفها منظومة استعمارية وأبارتهايد، تتوغل في التوحش والهمجية.
بين إسقاط نتنياهو ومعضلة المعسكر الصهيوني البديل
من الضروري التذكير بأن الفلسطينيين ذهبوا إلى صناديق الاقتراع وهم يسمعون تصريحات متكررة من أقطاب ما يسمى "معسكر التغيير"، تؤكد أنهم لن يعتمدوا على الأحزاب العربية لتشكيل الحكومة، وأنهم يريدون حكومة صهيونية خالصة. ولا يجوز التعامل مع هذه التصريحات باعتبارها تفصيلًا غير ذي أهمية، لأنها تكشف حدود المشاركة الفلسطينية المقبولة في نظر هذه القوى، وتضع سؤالًا جوهريًا أمام القيادات العربية: ما معنى أن تمنح أصواتك أو توصيتك السياسية لمعسكر يعلن مسبقًا رفضه الشراكة معك، ويتمسك في الوقت نفسه بالأسس الصهيونية التي تنتج التمييز البنيوي ضد شعبك، وتبرر إبادته؟
لا بد هنا من التمييز بين المواطنين الذين شاركوا في التصويت وبين المواقف التي قد تتخذها القيادات باسمهم. فليس كل من صوّت للقوائم العربية قد فعل ذلك من أجل تقديم توصية لأحد مرشحي المعسكر المعارض لتشكيل الحكومة. لقد شارك كثيرون دفاعًا عن وجودهم الجماعي، وعن قدرتهم على الفعل والتأثير، وعن حقهم في خوض المعركة السياسية في هذه الظروف، من دون أن يعني ذلك تفويضًا مفتوحًا لقياداتهم كي تختار أي حكومة بديلة أو تمنحها شرعية سياسية.
إن المشاركة الفلسطينية الواسعة، وغير المسبوقة في هذه المعركة الانتخابية، لا تمنح القائمة المشتركة تفويضًا مفتوحًا للتصرف بأصوات الناخبين كما تشاء، ولا تخوّلها استنتاج موافقة شعبية على تقديم توصية لمرشح من المعسكر الصهيوني المعارض، فضلًا عن منح الشرعية السياسية لمن يتحملون مسؤولية جرائم الحرب والإبادة بحق شعبنا. فثمة فرق جوهري بين أن يشارك المواطن الفلسطيني في الانتخابات دفاعًا عن وجوده الجماعي، ورغبةً في إضعاف حكومة فاشية رغبةً في التخفيف من توحشها، وتمسكًا بحقه في الفعل السياسي، وبين أن يفوّض قيادته بمنح غطاء سياسي لبديل حكومي كان ولا يزال شريكًا في الإبادة، ولا يتخلى عن الأسس البنيوية للمنظومة الصهيونية ولا عن إقصاء الفلسطينيين وحقوقهم الوطنية.
وعليه، فإن المسؤولية الوطنية والأخلاقية تقتضي ألا تُستخدم هذه المشاركة الواسعة ذريعةً لتجاوز الحدود التي يفرضها الموقف الفلسطيني من الجرائم المرتكبة بحق شعبنا. ولا يكفي تبرير التوصية بأنها خطوة تكتيكية لإسقاط نتنياهو، أو بأنها استجابة لإرادة الناخبين، ما دامت هذه الإرادة لم تمنح تفويضًا صريحًا بهذا المعنى. بل إن اتساع المشاركة يزيد مسؤولية القيادة في صون الثقة الشعبية، وفي التمييز بين توظيف النتائج لتعزيز القوة السياسية الفلسطينية وبين تحويلها إلى رصيد تفاوضي في لعبة تشكيل الحكومات الإسرائيلية.
إن السؤال الذي ينبغي أن يحكم قرار القائمة المشتركة ليس فقط ما الذي يمكن أن تكسبه من التوصية، بل أيضًا ما الذي قد تخسره الحركة الوطنية الفلسطينية من استقلالية قرارها ومصداقيتها إذا تحولت أصوات المواطنين إلى أداة لمنح الشرعية لمعسكر لا يعترف بحقهم في الشراكة المتكافئة، ولا يقطع مع البنية الاستعمارية التي تنتج اضطهاد شعبهم. فالمشاركة الانتخابية الواسعة تعزز مسؤولية القيادة أمام جمهورها، لكنها لا تعفيها من المساءلة، ولا تحل محل البرنامج الوطني الذي يفترض أن يوجّه قراراتها.
المشاركة والمقاطعة: الخلاف في سياق الكارثة الفلسطينية
قبل الانتخابات، برز رأي (أقلية) داخل أوساط من حركة المقاطعة، بما فيها أوساط خارج البلاد، يرى أن بقاء نتنياهو في الحكم قد يكون أفضل؛ لأن حكومة بديلة قد تجعل إسرائيل أكثر قبولًا لدى الحكومات الغربية، وتزيد صعوبة مواجهتها وعزلها دوليًا. وهذا رأي يستند إلى اعتبار سياسي مفهوم، يتعلق بمخاطر إعادة تأهيل إسرائيل دوليًا من خلال تغيير واجهتها الحكومية.
لكن رأيًا آخر، تبناه أيضًا أشخاص قاطعوا الانتخابات تاريخيًا، وانخرطوا في العمل الميداني والتضامن المباشر مع الشعب الفلسطيني وأسراه، رأى أن هذا المنطق لا يصلح للتعامل مع الحالة الكارثية التي يعيشها شعبنا، ولا مع حجم الجرائم التي يتعرض لها. فالفلسطينيون يواجهون منظومة لا تكتفي بقمع من يخرجون إلى الشوارع للاحتجاج، بل تمارس القمع والترهيب قبل أن يتحرك الناس من بيوتهم، فيما يعيش أهل غزة الإبادة والدمار حتى وهم نيام. وهذا كله يحصل في غياب حالة ثورية، وفي ظل تخلي الأنظمة العربية وحكومات الغرب عن الفلسطينيين.
لكن ثمة مسألة أعمق ينبغي التوقف عندها لفهم ضعف الدافعية نحو المقاطعة، رغم رسوخ القناعة لدى قطاعات واسعة من الفلسطينيين بأن إسرائيل هي دولة غير ديمقراطية، وأنها كيان استعماري وفصل عنصري. إن رغبة غالبية الفلسطينيين في مشاركة فلسطينيي الداخل في الانتخابات لا تعبّر بالضرورة عن ثقة بالديمقراطية الصهيونية، ولا عن اقتناع بشرعية المنظومة السياسية التي يعملون داخلها، بقدر ما تعكس غياب حالة ثورية فلسطينية متماسكة، تمتلك رؤية تحررية جامعة، وأطرًا شعبية منظمة، واستراتيجية نضالية قادرة على جعل المقاطعة خيارًا سياسيًا جماعيًا ذا معنى وفاعلية.
فالمقاطعة، وهي خيار مشروع بل مطلوب في ظروف ملائمة، إذا أُريد لها أن تكون أداة لنزع الشرعية عن منظومة الأبارتهايد الاستعمارية، لا يمكن أن تقوم على الموقف الأخلاقي وحده، أو على الدعوة إلى الانسحاب من الانتخابات من دون توفير بديل سياسي وشعبي قادر على ملء الفراغ. إنها تحتاج إلى حركة وطنية حية، وإلى مشروع تحرري يحدد أهداف المقاطعة، ويوضح ما الذي يراد تحقيقه من خلالها، وكيف يمكن تحويلها إلى فعل جماعي منظم، يراكم القوة ويغيّر موازين الفعل السياسي. وفي غياب مثل هذه الحالة، تبدو المشاركة الانتخابية لكثيرين إحدى المساحات القليلة المتاحة للتعبير عن الوجود الجماعي، ومقاومة الإقصاء، وإثبات القدرة على الفعل، حتى في ظل إدراكهم العميق لحدود هذه المشاركة وشروطها الاستعمارية.
من هنا، لا ينبغي تفسير ضعف الإقبال على المقاطعة باعتباره قبولًا بالنظام الإسرائيلي أو تسليمًا بشرعيته، بل بوصفه مؤشرًا أيضًا إلى أزمة المشروع الوطني الفلسطيني، وغياب البديل النضالي المنظم الذي يستطيع أن يقنع الناس بأن المقاطعة ليست مجرد امتناع عن التصويت، بل خطوة في مسار تحرري أوسع. والتحدي الحقيقي، إذن، ليس المفاضلة المجردة بين المشاركة والمقاطعة، وإنما بناء الحالة السياسية والشعبية التي تجعل كل أداة نضالية جزءًا من استراتيجية وطنية واضحة، وتتيح للفلسطينيين الانتقال من التكيف مع المساحات المتاحة داخل المنظومة إلى العمل المنظم على تغييرها وتجاوزها وتفكيكها.
ولا يمكن حسم الخلاف بمجرد المفاضلة النظرية بين المشاركة والمقاطعة، أو بالتعامل مع الانتخابات باعتبارها فعلًا سياسيًا منفصلًا عن السياق الذي يجري فيه. فالمسألة تتعلق بكيفية تقدير إمكانات الفعل وحدوده، وبالعلاقة بين أدوات النضال المختلفة، وبمدى قدرة كل أداة على الإسهام في حماية المجتمع الفلسطيني وتعزيز حضوره السياسي.
أما الفلسطينيون داخل الخط الأخضر، فعلى الرغم من أنهم يعيشون ظروفًا أقل سوءًا من تلك التي يعيشها أهلنا في غزة والضفة الغربية، فقد أدركوا منذ بداية الحرب أن أي حراك شعبي جدي قد يواجه بقمع شديد، وربما بمجازر مروعة. فإذا كان طبيب أو ممرض أو مواطن غير ناشط سياسيًا يمكن أن يتعرض للفصل من العمل أو للتحقيق لمجرد نشر تغريدة تتعاطف مع ضحايا الإبادة، فما الذي يمكن توقعه حين يخرج الناس إلى الشوارع في احتجاج جماعي؟
في هذا السياق، يمكن فهم لماذا انتظر كثير من الفلسطينيين اللحظة التي يستطيعون فيها استعادة بعض قدرتهم على الفعل ومواجهة من يقمعونهم، من خلال ممارسة سياسية لا تتيح للشرطة قمعهم بالطريقة ذاتها. وقد كانت الانتخابات إحدى هذه المساحات، رغم حملات التحريض المكثفة التي استهدفت ردع المواطنين العرب عن التصويت. لكنهم لم يرتدعوا، بل أسهم تصويتهم في إضعاف معسكر نتنياهو وتعميق أزمته، وهو ما يفسر، في جانب منه، تصاعد التشكيك في النتائج وفتح باب الاتهامات بالتزوير.
غير أن فهم دوافع المشاركة لا يعني إعفاء القيادات من مسؤولية تحديد ما ينبغي فعله بعد الانتخابات. فالمشاركة في حد ذاتها ليست تفويضًا سياسيًا مطلقًا، كما أن المقاطعة ليست، في ذاتها، ضمانة لموقف تحرري. المعيار الأهم هو موقع كل ممارسة سياسية من المشروع الوطني، وقدرتها على تعزيز استقلالية الفلسطينيين ومقاومتهم لمنظومة الإخضاع.
ما العمل؟ من القوة الانتخابية إلى الفعل الوطني المنظم
السؤال الأساسي الآن هو: هل يجوز للقوائم العربية أن تستخدم المقاعد التي حصلت عليها لتسهيل تشكيل حكومة بديلة، تتبنى سياسات إقصائية أو تشارك في منظومة مسؤولة عن الجرائم بحق الشعب الفلسطيني؟ أليس من الأجدر بها أن تنأى بنفسها عن هذا المأزق، وأن تركز على تعزيز التنظيم الشعبي، وإعادة ضبط الخطاب والسلوك السياسي، وتثبيت القوة التي أظهرها المجتمع الفلسطيني في هذه المعركة السياسية؟
ويزداد هذا السؤال إلحاحًا في ظل المسار الذي انتهجته قيادة الحركة الإسلامية الجنوبية، التي قطعت شوطًا في تخريب الوعي الوطني وتشويه القيم الدينية، من خلال تعبئة قاعدتها الانتخابية وإعادة تشكيل وعيها باتجاه الاندماج في حكومة صهيونية. فهل ينبغي للقائمة المشتركة أن تنافس هذا النهج، أم أن عليها أن تطرح بديلًا سياسيًا مختلفًا، يعيد الاعتبار إلى استقلالية القرار الوطني، ويربط المشاركة السياسية بمصالح الشعب الفلسطيني وحقوقه الجماعية، بدلًا من حصرها في حسابات الدخول إلى الحكومة أو التأثير في تشكيلها؟
إن المطلوب، في هذه اللحظة، ليس الاكتفاء بالمواقف الأخلاقية أو بالشعارات الوطنية، بل ترجمة هذه المواقف إلى رؤية سياسية واضحة وبرنامج عملي. وهذا يبدأ بإعادة ضبط الخطاب الوطني والسياسي، وإعادة وصل البعد المحلي بالبعد التحرري والإنساني العام. فلا بد من تشخيص طبيعة المنظومة الصهيونية، وعدم اختزالها في حكومة نتنياهو أو في مجموعة من السياسيين المتطرفين، ووضع أولويات واضحة لقضايا المجتمع الفلسطيني داخل الخط الأخضر، مع تحديد مسؤوليته تجاه شعبه في غزة والضفة والقدس والشتات.
كما ينبغي إعادة بناء الصلة بين نضال الفلسطينيين وبين نضالات الشعوب المنتفضة في العالم من أجل العدالة والسلام والكرامة الإنسانية. فقد باتت قضية فلسطين تكشف، على نحو متزايد، التناقض بين الخطاب الغربي المعلن عن الديمقراطية وحقوق الإنسان وبين السياسات التي تتيح استمرار الجرائم الإسرائيلية أو تدعمها. ومن شأن ترسيخ هذه الصلة أن يعزز عالمية القضية الفلسطينية، وأن يضع النضال الفلسطيني في سياقه الإنساني والتحرري الأوسع، من دون أن يفقد خصوصيته الوطنية أو يذيبها في شعارات عامة.
ويتطلب ذلك، في الوقت نفسه، التعجيل بإعادة تنظيم المؤسسات التمثيلية والمحلية الفلسطينية، وتطوير أطر شعبية فاعلة ومستدامة، قادرة على تحويل الاستياء والغضب والتأييد المتقطع إلى فعل جماعي منظم. وينبغي أن يتموضع الجيل الجديد وطليعته الأكثر وعيًا والتزامًا بالشأن العام في قلب هذه العملية، لا بوصفه جمهورًا يُستدعى عند الحاجة، بل قوة مشاركة في صياغة الرؤية والبرنامج وأشكال التنظيم.
إن تحويل القوة الانتخابية إلى قوة سياسية فعلية لا يتحقق عبر صناديق الاقتراع وحدها، بل من خلال إعادة بناء المؤسسات، وتوسيع المشاركة الشعبية، وتعزيز القدرة على الفعل في الميدان وفي المؤسسات، وربط القضايا اليومية للمواطنين بالمشروع الوطني الأوسع. فالتحديات التي يواجهها الفلسطينيون في الداخل، من القمع والتحريض إلى الجريمة المنظمة والتهميش والتمييز، لا يمكن فصلها عن البنية السياسية التي تحكم حياتهم، كما لا يمكن مواجهتها بفاعلية من دون مشروع جماعي يربط الحقوق المدنية والاجتماعية بالحقوق الوطنية والتحررية.
المشاركة الواسعة لا تمنحكم تفويضًا مفتوحًا
تتعدد الزوايا التي يمكن النظر من خلالها إلى نتائج الانتخابات الإسرائيلية، ولا سيما نتائج التصويت للقوائم العربية، مثلما تعددت المواقف من المشاركة الانتخابية أو مقاطعتها، وهو خلاف ظهر بحدة قبل الانتخابات. وليس من السهل، في ظل واقع فلسطيني وإسرائيلي شديد التعقيد
