كتبتُ من قبل أن الانتخابات مرتبطة عادة بفكرة مستحبّة هي الديمقراطيّة وما تعنيه من تداعيات تشي بالحقوق والمساواة والإدارة السويّة. إلّا أن الانتخابات التي جرت في إسرائيل تجري في ظلّ سيرورة فاشيّة، وكان هدف الائتلاف الحاكم فيها الحصول على شرعية مجدّدة لمشاريعه، وهو ما لم يحصل على النحو الذي تمنّاه. ليس بفضل مناهضيه من مجتمع الثكنة، بل بفضل الفلسطينيين الذين لا يزالون يتمتّعون بحق الاقتراع في هذه الثكنة.
من هنا، يُمكننا أن نفهم حملة التحريض المتجدّدة ضد المواطنين العرب وقيادتهم والاتهامات بـ"أنهم سرقوا الانتخابات"! وقد "سرقوا" بقصد قاصد دفّة الحُكم من هذا الائتلاف الفاشيّ بإقبالهم الواعي على صناديق الاقتراع. ولنتائج الانتخابات جملة دلالات سأحاول إيجازها هنا على أن أطوّرها في مواد لاحقة.
في المقام الأوّل، تأتي الحقيقة الناجزة، وهي أن حصول العرب الفلسطينيّين على 19 مقعدًا حرم ائتلاف اليمين من مواصلة سيطرته على الكنيست - السلطة التشريعيّة - وعلى الحكومة - السلطة التنفيذيّة. وهذا عمل عظيم بالمفاهيم السياسيّة، وهو حدث تاريخي في تجربة الفلسطينيين سكان الثكنة والسياسة عمومًا فيها. أمّا إذا شئنا أن نوسّع هذه الدلالة، يُمكننا القول بكثير من الصواب إن العرب الفلسطينيين هنا، وهم ربع الفلسطينيين فقط في المساحة بين البحر والنهر، استطاعوا أن يعترضوا الفاشيّة بهويّتهم قبل مواطنتهم. فقد صوّتوا هذه المرة ليس لمواطنتهم في الدولة، بل لهويّتهم. لقد غلّبوها على مواطنتهم. لقد مارسوا الحضور في مكان يُريد مجتمع الثكنة أن يرحّلهم عنه أو يحاصرهم في معازل/جيتوات. لقد كان الصوت الجمعيّ واضحًا لا لبس فيه: نحن هنا باقون!
في المقام الثاني، وعطفًا على الأوّل، لم يلعب العرب الفلسطينيون لعبة الثكنة التي أرادت قهرهم وتحييد أثرهم وقوّتهم الانتخابيّة والسياسيّة واضطرارهم إلى الانزواء في بيوتهم. بمعنى ما، شبّوا عن الطوق، لم يعتذروا لأنهم عرب فلسطينيون - كما فعل منصور عبّاس - بل خرجوا إلى الصناديق بلا خوف أو تردّد ليؤكّدوا: نحن فلسطينيون ولن نكون لقمة سائغة ولن نُساق إلى الذبح كما يظنّ غُلاة الفاشيين. لن يصرّح أي مسؤول في الثكنة عن ارتداع مجتمع الثكنة ممّا حصل من انتظام وأداء سياسييْن - يذكّراننا بأثر يوم الأرض الأول أكثر مما يذكّراننا بإنجاز المُشتركة الأولى - لكنّهم استطاعوا في ثلاثة أيّام أن يعبّروا بأشكال عديدة عن هذا الردع الذي حصل. لقد تحوّل الناس في أدائهم السياسيّ المشرّف هذا من مجتمع إلى شعب. لقد كانت الانتخابات حدثًا مصمّمًا للجماعة الفلسطينيّة. في هذه الحالات، تكون هناك عوامل عديدة لا مجال لتفصيلها الآن، والمهمّ حصول ذلك.
في المقام الثالث، يشكّل الحدث الانتخابيّ في حصوله ونتائجه مقولة واضحة تجاه النُخب السياسيّة في الثكنة وفي داخل المجتمع نفسه - إنها إرادتنا أن نكون شعبًا وأن نكون موحّدين ومتعاضدين ومقتدرين. والآن الدور على القيادة العربيّة أن تترجم القوة الانتخابيّة إلى قوة سياسيّة - اجتماعيّة - خطابيّة - معنويّة نحتاجها جميعًا لمواجهة الشرط السياسيّ بطابعه الفاشيّ - الكولونياليّ. انتهت الانتخابات وبدأ التحدّي الحقيقيّ أمام القيادات المنتخبة. بل بدأ الامتحان السياسيّ الأوّل في كيفية الردّ على حملة التحريض وإسقاط الشرعيّة عن 19 عضوًا في البرلمان تمّ انتخابهم في وضح النهار وبشكل أكثر ديمقراطيّة من الانتخابات في مجتمع الثكنة نفسه. سأقترح الردّ بحزم، بمعنى ردّ التهمة ورفضها واعتبارها حلقة أخرى في مسار التحريض العنصري والقهر، وهذا يعني عدم التبرير أو الاعتذار أو التقهقر - كما عاد وفعل منصور عباس بشكل يعكس نفسيّة الذليل والتابع ـ وبحكمة، من خلال إدارة هذا الملفّ باقتدار، إدارة سياسيّة واثقة.
في المقام الرابع، وأحصره في المُشتركة باعتبارها تمثّل شعبًا كاملًا وليس فئة فيه أو جماعة دينيّة، بوصفها تعبّر عن تطلّعات الجماعة كلّها وليس عن نهج اختزاليّ تمثّله "الموحّدة". لا يُعقل أن تظلّ "المُشتركة" قائمة انتخابيّة أو كتلة برلمانيّة فحسب. فإذا أردنا تثمير هذا الإنجاز، علينا أن نحوّلها إلى نواة تنظيم أوسع لمجتمعنا. كنتُ اقترحت على قيادات المُشتركة، وأعود لأقترح هنا البدء بعمل تنظيمي حول الكتلة يجمع خيرة الكفاءات من بنات وأبناء شعبنا ليكونوا حلقة الدعم المعرفي والمهني المتخصّص للكتلة. في البداية، أقترح حلقتين أساسيّتين ـ مديرًا عامًا للمشتركة على ما يعنيه هذا المنصب، وخليّة ناطقة بلسانها. أمّا على مستوى العلاقات الخارجيّة، فأقترح تنظيم سلسلة من اللقاءات السريعة والعاجلة مع الممثليّات الأجنبيّة وتقديم إحاطة بالوضع، لا سيّما التحذير من انقضاض مؤسّسة الثكنة الأمنيّة على إنجاز العرب الفلسطينيين واستمرار التحريض الدموي ضدّهم.
في المقام الخامس، لم يكن في المشاركة العربيّة الفلسطينيّة في هذه الانتخابات أيّ شرعيّة للثكنة كما يزاود البعض ويدّعي، بل كان منح شرعيّة من العرب الفلسطينيين لأنفسهم ولصوتهم وسرديّتهم. وهذا ينطبق على جمهور المصوّتين للقائمتين. صحيح أن صوت منصور عباس كان صوت التابع الذي ينتظر شرعيّة من قاهره، لكن لديّ كل الأسباب للقول إن الغالبيّة الساحقة لشعبنا صوّتت لنفسها وهويّتها. فحين يتّهمك الآخر في هويّتك ويشتبه بك باسمها، فإن ردّ الفعل الطبيعيّ هو أن تُنكرها أو أن تُعلنها. وقد اختار شعبنا أن يُعلنها كمورد سياسيّ. لن ينجح منصور عباس وأمثاله في حرف شعبنا عن هذا الخطّ مهما تذلّل. وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أن بعض أصحاب النوايا الحسنة لا يزالون يتحدّثون من مواطنة خجولة ومنقوصة، وأنا أعتقد أنه حان الوقت للحديث من هويّة مقتدرة وواثقة. من هنا تُمارس السياسة وليس من محوها كما يُريد البعض، وهم قلّة يبحثون عن مكاسب سياسيّة في منظومة فاشيّة.
ملاحظات أوّلية عن نتائج الانتخابات: ممارسة السياسة من الهويّة وليس من محوها
كتبتُ من قبل أن الانتخابات مرتبطة عادة بفكرة مستحبّة هي الديمقراطيّة وما تعنيه من تداعيات تشي بالحقوق والمساواة والإدارة السويّة. إلّا أن الانتخابات التي جرت في إسرائيل تجري في ظلّ سيرورة فاشيّة، وكان هدف الائتلاف الحاكم فيها الحصول على شرعية مجدّدة لمشاريعه،
