بعد مرور ثلاث سنوات على أحداث السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 والحروب والمواجهات العسكرية التي خاضتها إسرائيل في المنطقة، برزت قدرة الاقتصاد الإسرائيلي على تحمّل أعباء الحرب بوصفها أحد عناصر القوة التي مكّنت إسرائيل من مواصلة واحدة من أطول فترات القتال المتواصل منذ تأسيسها.
وانعكست التداعيات الاقتصادية للحروب المستمرة منذ عام 2023 بصورة خاصة في الارتفاع الحاد في الإنفاق الأمني، إلى جانب زيادة الدين العام واتساع العجز في الموازنة الحكومية، الأمر الذي قلّص هامش المناورة المالية المتاح للحكومة. كما أدى تزايد حصة الإنفاق الأمني إلى تغيير تدريجي في أولويات الموازنة، مع توجيه نسبة أكبر من الموارد نحو الاحتياجات العسكرية والأمنية على حساب بعض مجالات الإنفاق المدني والاستثمارات طويلة الأمد.
وعلى الرغم من ذلك، أظهر الاقتصاد الإسرائيلي قدرة ملحوظة على التأقلم مع تداعيات الحرب والحفاظ على مستوى من النشاط الاقتصادي، وأدت الصناعات العسكرية والأمنية وقطاع التقنيات الفائقة دورا مركزيا في هذا السياق، سواء من خلال الصادرات أو النشاط الاقتصادي وتوفير فرص العمل ودفع الضرائب.
ومنذ سنوات طويلة، تتعامل إسرائيل مع الاقتصاد بوصفه أحد المكونات الأساسية في المناعة الأمنية والإستراتيجية، وعملت على ملائمة بنيته وسياساته مع متطلبات الأمن. ومع التحولات التي شهدها الاقتصاد الإسرائيلي واتساع حجم قطاعات التكنولوجيا والخدمات والصناعات المتقدمة، والصناعات العسكرية والأمنية، ازدادت قدرته على مواصلة النشاط الاقتصادي حتى في ظل حرب ممتدة وتعبئة عسكرية واسعة، وإن كان ذلك مصحوبا بتكاليف مالية واقتصادية كبيرة.
ويبرز هذا الاستنتاج في تقرير "ميزان الأمن القومي – تشرين الأول/ أكتوبر 2026"، الصادر عن معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي (INSS). ففي فصل "القوة الاقتصادية: صمود لافت وتحديات مستقبلية"، يتناول التقرير الاقتصاد بوصفه أحد المكونات الأساسية للأمن القومي الإسرائيلي، ويشير إلى أن قدرة الاقتصاد على مواصلة العمل والحفاظ على الاستقرار المالي، رغم الحرب الممتدة ومتعددة الجبهات، شكّلت عنصرا مهما في قدرة إسرائيل على تمويل المجهود الحربي والاستمرار فيه خلال السنوات الثلاث الأخيرة، وفي الوقت نفسه يشدد التقرير على أن هذا الصمود تحقق مقابل أثمان متراكمة باهظة.
صمود اقتصادي مقابل تآكل مقومات الازدهار المستقبلي
ينطلق التقرير من مفارقة أساسية في تقييم أداء الاقتصاد الإسرائيلي خلال السنوات الثلاث التي أعقبت 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023. فمن جهة أظهر الاقتصاد الإسرائيلي، بحسب التقرير، قدرة استثنائية على الصمود في ظل حرب طويلة ومتعددة الجبهات؛ فقد استمر النشاط الاقتصادي، ولم يدخل الاقتصاد في ركود دائم، وحافظت الدولة على قدرتها على تمويل النفقات المرتفعة للحرب. لكن من جهة أخرى، يشدد التقرير على أن الصمود لا يعني الازدهار، إذ رافقت هذه القدرة على الاستمرار تغيرات هيكلية سلبية، أبرزها الارتفاع الحاد والمستمر في الإنفاق العسكري، وتراجع هامش المناورة المالية للحكومة، والجمود في مستوى المعيشة لدى السكان. ولذلك يرى التقرير أن السؤال الأساسي لم يعد ما إذا كان الاقتصاد الإسرائيلي قد نجح في "النجاة" من الحرب، بل ما هو الثمن الذي دفعه مقابل ذلك، وما أثره في القوة الاقتصادية والأمن القومي في السنوات المقبلة.
الاقتصاد عشية 7 أكتوبر
بحسب التقرير، دخلت إسرائيل الحرب وهي تتمتع بأسس اقتصادية كلية قوية نسبيا، فقد نما الاقتصاد قبل الحرب بمعدل يقارب 3% سنويا، واستقرت نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي عند نحو 60%، كما اتسمت السياسة المالية بدرجة عالية من الانضباط، الأمر الذي سمح للحكومة بتخصيص موارد للاستثمارات المدنية ولمحركات النمو الاقتصادي المستقبلية.
وفي الوقت نفسه، وعلى الرغم من أن الإنفاق العسكري الإسرائيلي كان مرتفعا بالمقارنة مع معظم دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، فقد بلغ عشية الحرب نحو 4% من الناتج المحلي الإجمالي فقط، وهي نسبة منخفضة مقارنة بالفترات التاريخية السابقة في إسرائيل. ويرى التقرير أن هذا الوضع أتاح تحقيق نوع من التوازن بين المتطلبات الأمنية والاستثمار في البنية التحتية والتعليم والصحة والابتكار، كما منح الاقتصاد هامشا ماليا وقدرة أكبر على التعامل مع أزمات مستقبلية.
ماذا حدث خلال الحرب؟
أدى اندلاع الحرب إلى صدمة اقتصادية حادة، وظهر ذلك بوضوح في الانكماش الكبير الذي شهده الاقتصاد خلال الربع الأخير من عام 2023. إلا أن التقرير يشير إلى أن الاقتصاد عاد بعد ذلك إلى النمو، ولم يدخل في ما يعرف بـ"الركود التقني" طوال سنوات الحرب. وهذا، وفق تقييم المعهد، دليل على قوة البنية الاقتصادية الإسرائيلية وقدرتها على الاستمرار حتى في ظروف حرب طويلة على جبهات متعددة.
ومن عناصر الصمود المهمة، وفقا للتقرير، أن إسرائيل حافظت على قدرتها على الوصول إلى أسواق رأس المال وعلى اقتراض الأموال حتى في ظل ارتفاع مستويات عدم اليقين الأمني والاقتصادي. وقد سمح ذلك للحكومة بتمويل الاحتياجات العسكرية المتزايدة من دون أن يتحول الضغط الناتج عن الحرب إلى أزمة مالية شاملة، ويخلص التقرير إلى أن السنوات الثلاث أظهرت قدرة الاقتصاد الإسرائيلي على استيعاب صدمات كبيرة جدا من دون فقدان استقراره الأساسي.
وفي المقابل يكشف التقرير الجانب الآخر لهذه الصورة، فوفق تقديرات بنك إسرائيل أدت الحرب خلال تسعة فصول سنوية متتالية إلى خسارة تراكمية في الناتج المحلي تبلغ نحو 175 مليار شيكل، أي ما يعادل قرابة 8.5% من الناتج المحلي الإجمالي السنوي. وبذلك حصلت فجوة واضحة بين مسار الناتج الفعلي خلال سنوات الحرب، والمسار الذي كان متوقعا لو استمر الاقتصاد في النمو وفق الاتجاه السابق للحرب.
الجمود في مستوى المعيشة
يعتبر التقرير أن أحد أهم الأثمان الاقتصادية للحرب يتمثل في الفرق بين استمرار نمو الناتج الإجمالي، وأداء الناتج للفرد. فعلى الرغم من أن الاقتصاد ككل استمر في النمو، فإن الناتج للفرد لم يشهد تحسنا يُذكر خلال هذه الفترة، ويعزو التقرير ذلك إلى أن معدل نمو السكان في إسرائيل عوّض عمليا معظم النمو الاقتصادي، وهو ما أدى إلى جمود مستوى المعيشة لما يقارب ثلاث سنوات.
واستنادا إلى تقديرات بنك إسرائيل، يقدّر التقرير الخسارة التراكمية في النشاط الاقتصادي المدني بما يعادل نحو 35 ألف شيكل لكل مواطن خلال تسعة فصول من الحرب، مقارنة بمستوى الدخل الذي كان يمكن تحقيقه وفق مسار النمو المتوقع عشية الحرب. وينبّه التقرير إلى أن هذا الحساب لا يشمل الربع الأول من عام 2026، ولا الآثار الاقتصادية للحرب الأخيرة على إيران.
وبالتالي، فإن الصورة التي يقدمها التقرير تختلف عن قراءة النمو الإجمالي وحده: لم يشهد الاقتصاد انهيارا، لكنه لم ينجح كذلك في تحسين مستوى الرفاه الاقتصادي للفرد. وهذه، وفق التقرير، إحدى أهم تكاليف الحرب الطويلة.
تدهور الوضع المالي وارتفاع الدين
أما الثمن الثاني فيتعلق بالمالية العامة، إذ شهد الوضع المالي الإسرائيلي تراجعا ملموسا خلال سنوات الحرب. ووفق التقرير، ارتفعت نسبة الدين إلى الناتج بنحو تسع نقاط مئوية مقارنة بمستواها عشية الحرب، كما تكرر تجاوز أهداف العجز المالي.
ويضيف التقرير أن تخفيضات التصنيف الائتماني التي تعرضت لها إسرائيل رفعت تكلفة اقتراض الحكومة، ولا تتمثل المشكلة في ارتفاع النفقات الحالية فقط، بل في أن زيادة الدين وتكاليف تمويله تقلص قدرة الحكومات المقبلة على المناورة في الميزانية، وتحدّ من قدرتها على تمويل أولويات جديدة. ولذلك يصف التقرير المسألة باعتبارها تآكلا في "المرونة المالية" التي كانت تعد أحد عناصر القوة الاقتصادية قبل الحرب.
تضاعف العبء العسكري وتغير أولويات الميزانية
أما التحول الأكثر أهمية من وجهة نظر التقرير فهو الارتفاع الكبير في الإنفاق العسكري، فقد كان الإنفاق على الأمن قبل الحرب حوالي 4% من الناتج، ثم أصبح خلال الحرب أكثر من 8% من الناتج المحلي الإجمالي، أي إنه تضاعف تقريبا.
ويرى المعهد أنه لا ينبغي التعامل مع هذا الارتفاع باعتباره مجرد تكلفة مؤقتة مرتبطة بتمويل الحرب الجارية، بل أنه قد يشير إلى الانتقال إلى هيكل جديد للميزانية الإسرائيلية تكون فيه حصة الأمن أكبر بصورة دائمة. وإذا استمر هذا الاتجاه، فإن جزءا متزايدا من الموارد القومية سيخصص للجيش والأمن على حساب الاستثمارات المدنية طويلة الأمد.
ويكمن الخطر، بحسب التقرير، في أن الإنفاق على التعليم والصحة والبنية التحتية والابتكار ومحركات الإنتاجية ليس مجرد إنفاق اجتماعي، بل هو أيضا الأساس الذي تعتمد عليه قدرة الاقتصاد على النمو مستقبلا. ولذلك فإن زيادة العبء الأمني قد تنجح في تلبية الاحتياجات الأمنية المباشرة، لكنها قد تضعف على المدى البعيد الموارد الاقتصادية التي تمكّن إسرائيل أصلا من تمويل قوتها العسكرية.
الخلاصة
يخلص الفصل إلى تقييم مزدوج؛ فمن ناحية، كانت قدرة الاقتصاد الإسرائيلي على الصمود أقوى مما كان متوقعا عشية الحرب: استمر الاقتصاد في العمل والنمو، وحافظ النظام المالي على استقراره، وتمكنت الحكومة من تمويل حرب طويلة من دون الانزلاق إلى أزمة اقتصادية كلية واسعة.
لكن هذا الإنجاز تحقق، بحسب المعهد، بثمن مرتفع ومتراكم، فقد تجمد مستوى المعيشة، وازدادت المديونية، وتقلصت المرونة المالية، وارتفعت تكاليف الاقتراض، وتضاعف تقريبا عبء الإنفاق الأمني. ويؤكد التقرير خصوصا أن الخطر لا يكمن فقط في الأعباء الحالية، بل في تآكل الأسس التي يقوم عليها النمو والازدهار المستقبلي؛ إذا استمرت الموارد في الانتقال من الاستثمارات المنتجة والخدمات المدنية إلى الإنفاق على بنود الأمن.
وعليه، يميز التقرير بوضوح بين القدرة على الصمود والقدرة على النمو والازدهار. فقد أثبت الاقتصاد الإسرائيلي، في رأي المعهد، أنه قادر على تحمل حرب طويلة وصدمات غير عادية، لكن استمرار النمو المستدام مستقبلا ليس مضمونا، فارتفاع العبء الأمني وتراجع الوضع المالي وجمود مستوى المعيشة يقلص مساحة العمل المتاحة أمام الحكومة، وقد تؤثر في قدرة الاقتصاد على النمو على المدى الطويل.
لذلك يخلص الفصل إلى أن انتهاء الحرب يجب أن يتبعه تغيير في السياسة الاقتصادية؛ يعيد التوازن بين متطلبات الأمن من جهة، والحفاظ على محركات النمو والخدمات المدنية والاستقرار المالي من جهة أخرى.
اقرأ/ي أيضًا | هل يكشف سوق العمل خسائر الحرب الحقيقية؟
الاقتصاد والأمن القومي
بعد مرور ثلاث سنوات على أحداث السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 والحروب والمواجهات العسكرية التي خاضتها إسرائيل في المنطقة، برزت قدرة الاقتصاد الإسرائيلي على تحمّل أعباء الحرب بوصفها أحد عناصر القوة التي مكّنت إسرائيل من مواصلة واحدة من أطول فترات القتال المتو
