حملت الانتخابات الإسرائيلية الثلاثاء الماضي نتائج سيكون لها تأثير بعيد المدى، لن تبدّده أكاذيب نتنياهو وحلفائه الفاشيين وادعاءاتهم. أبرز النتائج فشل نتنياهو ومعسكره في الحفاظ على الأغلبية، وكان انخفاض مقاعدهم من 68 إلى 53 فشلًا مدويًا بخسارة 15 مقعدًا. ما نجح فيه نتنياهو فقط ممارسة ما يتقنه من لصوصية بسرقة مقاعد من حلفائه، كي يكون "الليكود" الحزب الحاصل على العدد الأكبر من المقاعد، ولكن هذا لن ينفعه ما دام المعسكر المضاد أكبر من معسكره.
ثانيًا، كانت الجماهير العربية الفلسطينية العربية وأحزابها الفائز الأكبر، حيث حققت نتيجة مذهلة لم يسبق لها مثيل، بحصولها على 19 مقعدًا، وبحيث أصبحت الكتلتان الصهيونيتان عاجزتين منفردتين عن تشكيل حكومة دون دعم أصوات العرب الفلسطينيين. ومثّل هذا الإنجاز تحولًا نفسيًا وسياسيًا ووطنيًا، حيث أصبحت الجماهير الفلسطينية في الداخل قوة مؤثرة، تمتلك ثقه كبيرة بالنفس في نضالها ضد الاضطهاد العنصري ومنظومة الأبارتهايد الإسرائيلية.
ومثلت النتيجة تجسيدًا لتكامل نضال هذه الجماهير مع باقي مكونات الشعب الفلسطيني، في الأراضي المحتلة والخارج في النضال المشترك، ليس فقط ضد الاحتلال ومنظومة الأبارتهايد، بل ضد كل مشروع الاستعمار الاستيطاني الإحلالي الصهيوني، وترسخت القناعة لدى الجماهير الفلسطينية بأن الرد الوحيد الصحيح على الاضطهاد العنصري الذي تتعرّض له، من جريمة منظّمة، إلى هدم البيوت وسرقة مزيد من أراضيها لأجل الاستيطان الصهيوني، هو التصدّي لذلك الاضطهاد باستخدام كل الوسائل المتاحة.
النتيجة الثالثة، اتضاح مدى انعطاف المجتمع اليهودي الإسرائيلي وأحزابه نحو العنصرية المطلقة، والتي عبرت حدود الفاشية. وتجلى هذا في انعدام الفوارق بين كتلة نتنياهو والكتلة الصهيونية المعارضة تجاه كل ما يتعلق بحقوق الشعب الفلسطيني، فجميع تلك الأحزاب ترفض حق الفلسطينيين في تقرير المصير، وإقامة دولتهم المستقلة، وكلها ترفض وقف التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، وترفض كذلك تفكيك المستعمرات الاستيطانية وكلها غير شرعية، كذلك تتمسّك بمواصلة حرب الإبادة على قطاع غزّة ورفض الانسحاب منه، أي إنها جميعها، في الحكومه أو المعارضة، ترفض إنهاء الاحتلال والقبول بحل وسط مع الشعب الفلسطيني. وتجلت العنصرية بأبشع صورها في الحملات التي شنّها نتنياهو ومعسكره في تحريض الأحزاب الصهيونية المعارضة على رفض الاستناد إلى أصوات الأحزاب العربية لتشكيل حكومةٍ تسقط نتنياهو، ووصف مشاركة الفلسطينيين بالتصويت بأنها "سرقه للانتخابات"، واتهامها كذبًا بتلقّي تمويل أجنبي، بالإضافة إلى دعوات الفاشي بن غفير إلى تجريد العرب الفلسطينيين من حق التصويت.
خطت الجماهير العربية الفلسطينية خطوة هائلة إلى الأمام في تنظيم نضالها الذي لم يتوقف منذ 1948، عندما خاضت معركة بقاء وصمود مجيدة، وهي ترزح تحت الحكم العسكري حتى 1966، كذلك اجترحت مآثر مقاومة أصبحت مدرسة للشعب الفلسطيني بأسره ضد العنصرية، والإفقار وسرقة أراضيها ومصادر رزقها، بالإضافة إلى ما قدّمته من نماذج نضالية منذ يوم الأرض المجيد في انتفاضاتها المتتالية.
تقف الأحزاب الصهيونية المعارضة لنتنياهو أمام تحدٍّ كبير، فهي ستبقى عاجزةً من دون أصوات العرب الفلسطينيين عن تشكيل حكومة تطيح نتنياهو وائتلافه الفاشي. ويتنازعها تناقضٌ بين رغبتها في الانتقام من نتنياهو وعنجهيته ضدها وخوفها العنصري من الاعتماد على أصوات الأحزاب العربية. ويضاف إلى هذا ضغط ترامب الذي دعم نتنياهو لإنقاذه من هزيمة ساحقة، ويمارس كل ضغط ممكن لإجبار الأحزاب الصهيونية على إلقاء طوق النجاة لنتنياهو، وإعطائه فرصة لينقذ نفسه من السجن وقضايا فسادٍ تلاحقه، وليخدع أحزاب المعارضة الصهيونية، كما فعل في السابق. ولن يتورع نتنياهو وحليفه ترامب عن شن عدوان جديد على إيران، سيلحق كذلك أذىً هائلًا بالدول العربية، وخصوصًا في الخليج العربي، لجر الأحزاب الصهيونية المعارضة نحو قيود نتنياهو.
كل هذه الأمور تبقى محتملة، لكنها لن تغير حقيقة الأزمة العميقة التي تعيشها الحركة الصهيونية التي عجزت، بفضل صمود الشعب الفلسطيني وبسالته، عن تنفيذ نكبة جديدة وتطهير عرقي أخطر مما جرى في 1948.
سيحاول مناصرو إسرائيل في الغرب وحلفاؤها تبييض صفحتها التي تلطخت بحرب الإبادة الجماعية في غزّة، وبحرب الإرهاب الاستيطاني في الضفة الغربية، من خلال ادّعاء وجود تناقضات جوهرية بين الأطراف الصهيونية، ولكن الممارسة الفعلية لأي حكومة إسرائيلية قادمة في الأراضي المحتلة ستبطل ذلك الادّعاء. ويبقى الدرس الرئيسي من تجربة الانتخابات الإسرائيلية أخيرًا أن إفشال الاستعمار الاستيطاني الإحلالي وعنصريته البغيضة، وما أفرزته من احتلال ونظام أبارتهايد، يكون بتحدّيه ومواجهته وليس التأقلم معه، أو الرضوخ لقمعه، أو التعايش معه، أو التعلق بأوهام الحلول الوسط معه. وتجربة اتفاق أوسلو الذي مزقته إسرائيل ودفنته في سلة المهملات خير دليل على هذا. وكما تبين قطعًا، تستدعي مواجهة الظلم القاسي الذي يعيشه الشعب الفلسطيني تعميق التكامل والتلاحم بين مكونات الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج والأراضي المحتلة، كل يناضل ويكافح بأساليب متنوعة، ولكنها موجّهة نحو هدف واحد، وضمن استراتيجية واحدة لتأمين حق الشعب الفلسطيني في الحرية الكاملة وتقرير المصير والتحرّر من نظام الاستعمار الاستيطاني الإحلالي والاقتلاعي وإفشاله.
وما سيساعد على هذا، الإسراع في تلبية مطالب الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة والخارج، بإجراء الانتخابات الديمقراطية التي حُرِمَ إجراءها منذ 21 عامًا، والتي تكرّر تأجيلها وإلغاؤها من دون وجه حق.
نُشِر المقال في موقع "العربي الجديد".
دروس من انتخابات الداخل الفلسطيني
حملت الانتخابات الإسرائيلية الثلاثاء الماضي نتائج سيكون لها تأثير بعيد المدى، لن تبدّده أكاذيب نتنياهو وحلفائه الفاشيين وادعاءاتهم. أبرز النتائج فشل نتنياهو ومعسكره في الحفاظ على الأغلبية، وكان انخفاض مقاعدهم من 68 إلى 53 فشلًا مدويًا بخسارة 15 مقعدًا. ما نجح
