في مقال نشرته مؤخرًا مجلة "رؤية"، ناقشت الباحثة سجود عوايص ما وصفته بمحاولات صناعة "العربي الإسرائيلي" القابل للاندماج في المجتمع الإسرائيلي ومؤسساته. وتناولت، بصورة أساسية، توجه اليمين الصهيوني من خلال عدد من النماذج المحسوبة عليه في هذا المجال، مثل "عتيدنا" و"نجوم الصحراء" و"معاسيه"، والتي تختلف في جوهرها عن المبادرات والمشاريع التابعة لليسار الصهيوني، التي تقودها بعض الحركات والجمعيات اليسارية الإسرائيلية الرامية إلى دمج العرب في الداخل على أساس المواطنة الإسرائيلية، رغم الجدل والنقاش الدائرين حول جوهر هذه الأفكار وحدودها وشروطها، كما تقول.
ويشير المقال إلى ما يمكن اعتباره، في هذا السياق، استبدال اليمين الصهيوني نموذجَ "العربي الميت"، الذي شكّل مرادفًا لـ"العربي الجيد" في مقولته الكلاسيكية، بنموذج "العربي الصهيوني" الذي ينبذ هويته الفلسطينية ويستبدل بها هوية إسرائيلية قائمة على تبنّي السردية الصهيونية بكل حذافيرها، بما في ذلك القبول بإسرائيل دولةً يهودية، وبأن فلسطين هي "أرض إسرائيل" التي تُعدّ حقًا حصريًا للشعب اليهودي، إلى جانب الانخراط في خدمة الدولة مدنيًا وعسكريًا، والتجنّد خلف سرديتها كاملة، باعتبار ذلك معيارًا لقبوله في دولة اليهود.
ولإلقاء المزيد من الضوء على الموضوع، أجرينا هذا الحوار مع الباحثة سجود عوايص.
سجود عوايص
"عرب 48": موضوع دمج العرب الفلسطينيين في المجتمع الإسرائيلي مشروط، في الحالتين، أي في توجهَي اليمين واليسار الصهيونيين، بصناعة العربي القابل للاندماج والمقبول في هذا المجتمع. كما أن القاسم المشترك بين التوجهين هو اشتراط الاعتراف بإسرائيل دولةً للشعب اليهودي. لكن، مع وجود تفاوت في طبيعة الشروط وحدّتها، يبدو أن اليمين الصهيوني لا يكتفي بمطالبة العربي بالتخلي عن هويته الفلسطينية واستبدالها بالهوية الإسرائيلية، بل يشترط أيضًا تبنّي السردية الصهيونية بكل حذافيرها والانخراط في خدمة الدولة مدنيًا وعسكريًا. كيف تقرئين ذلك؟
عوايص: الفكرة الأساسية التي حاولت المقالة مناقشتها هي أن بعض المشاريع المرتبطة باليمين الصهيوني لم تعد تكتفي بالمطالبة باندماج المواطنين العرب في الاقتصاد والمؤسسات الإسرائيلية، بل تسعى إلى إعداد قيادة عربية تتبنى الهوية القومية للدولة وروايتها السياسية، وتشارك في تعزيز مؤسساتها والدفاع عن مواقفها.
لكن من المهم التمييز بين الاندماج المدني والأسرلة والتصهين. فقد يسعى الفلسطيني إلى الاندماج في سوق العمل أو التعليم أو المؤسسات الحكومية لتحسين ظروف حياته وتحصيل حقوقه، دون أن يعني ذلك بالضرورة تخليه عن هويته الفلسطينية أو تبنيه الأيديولوجيا الصهيونية. أما النموذج الذي تتناوله المادة، فيتجاوز المشاركة المدنية إلى بناء تصور للانتماء يقوم على قبول إسرائيل دولةً يهودية، والتماهي مع بعض رموزها وروايتها، وربط مستقبل المواطن العربي بمستقبل الدولة.
ولا يصح تعميم القول إن اليسار الصهيوني كله يدعو إلى التخلي الكامل عن الهوية الفلسطينية؛ فهناك تيارات داخله تعترف بالحقوق الجماعية للأقلية العربية وتدعو إلى المساواة، كما في برنامج حزب "ميرتس"، لكنها تظل تعمل ضمن تصور لإسرائيل بوصفها الوطن القومي للشعب اليهودي، وهذا يضع حدودًا وتناقضات أمام معنى المساواة والانتماء الوطني.
أما في حالة النموذج الذي يطرحه اليمين، كما يتجلى في "عتيدنا"، فالمسألة أكثر تعقيدًا، إذ تعلن الحركة أنها تسعى إلى إعداد قيادة عربية تقبل الهوية القومية اليهودية لإسرائيل، وتنخرط في بنائها وتقويتها. وبالتالي، لا يُطلب من الشاب مجرد المشاركة في مؤسسات الدولة، وإنما تبنّي تصور سياسي محدد لموقعه داخلها.
وفي هذا الإطار، يمكن التعامل مع الانتقال من مقولة "العربي الجيد هو العربي الميت" إلى "العربي الجيد هو العربي الصهيوني" باعتباره توصيفًا نقديًا للتحول في النموذج المرغوب، لا انتقالًا تاريخيًا حرفيًا من سياسة واحدة إلى أخرى. فتصنيف الفلسطينيين إلى عرب جيدين وعرب سيئين قديم في الخطاب الإسرائيلي، كما توضح دراسة أندرياس هاكل عن العربي الجيد والمواطنة المشروطة.
الجديد الذي يفحصه المقال هو السعي إلى نقل هذا النموذج من مجرد المواطن غير المعارض أو المتعاون مع مؤسسات الدولة إلى قيادة عربية تعلن التزامها بإسرائيل وروايتها، وتعمل على نشر هذا الالتزام داخل مجتمعها.
"عرب 48": أشرتِ في المقال إلى ارتباط "عتيدنا" برموز يمينية صهيونية معروفة، وإلى المجاهرة بضرورة تشكيل حركات شبيبة عربية صهيونية. ما دلالات ذلك؟
عوايص: تأسست "عتيدنا" عام 2018، وهي لا تخفي الخلفية الفكرية لبعض شركائها. ففي موقعها الرسمي، تصف نفسها بأنها ائتلاف يجمع تربويين ورواد مجتمع عربًا مع شركاء يهود من المعسكر القومي الصهيوني، وتعلن أن رؤيتها تقوم على تحقيق المساواة المدنية داخل إسرائيل بوصفها دولة يهودية وديمقراطية.
ويبرز في تأسيس الحركة كل من إيرز إيشل وعميت ديرعي وعميحاي شيكلي. والأخير جاء من أوساط اليمين الصهيوني ومؤسسات الإعداد القيادي قبل العسكري، المعروفة باسم "الأكاديميات التحضيرية قبل الخدمة العسكرية"، وأصبح لاحقًا وزيرًا في حكومة بنيامين نتنياهو. أما إيشل وديرعي، فقد ارتبطا بدورهما بمؤسسات ومبادرات تجمع بين العمل التربوي والقيادي والتوجهات القومية الصهيونية.
ولا تكمن أهمية هذه الخلفيات في أن مؤسسي الحركة خدموا في الجيش الإسرائيلي فقط، فهذه تجربة شائعة بين قطاعات واسعة من المجتمع اليهودي الإسرائيلي، بل الأهم هو ارتباطهم بشبكات سياسية وتربوية تحمل تصورًا معينًا للدولة والانتماء، ومحاولتهم نقل هذا التصور إلى الشباب العربي وفرضه عليهم من خلال أجندة وبرامج محددة.
ففي تحقيق نشره موقع "عرب 48" عام 2020، نُقل عن أحد المشاركين في اجتماع تأسيسي للحركة تصريح منسوب إلى إيرز إيشل بشأن إقامة حركة شبيبة عربية صهيونية وتشجيع الشباب العرب على الاندماج في وحدات نخبوية في الجيش الإسرائيلي.
كما توجد تصريحات مؤسسية لاحقة توضح البعد السياسي للمشروع؛ إذ نُقل عن عميت ديرعي، في مادة نشرتها صحيفة "هآرتس" بالتعاون مع "عتيدنا" في شباط/فبراير 2024، أن الاتفاق على الهوية القومية لإسرائيل دولةً يهودية وديمقراطية يشكل أساس رؤية الحركة، كما اعتبر أن هذا التصور يختلف عن توجه القيادة السياسية العربية الحالية، الذي وصفه بالانعزالي والقومي.
وتكتسب هذه التصريحات أهمية خاصة في فهم المشروع؛ لأنها تنقل النقاش من الخلفيات السياسية للمؤسسين إلى تصورهم المعلن للشاب العربي والقيادة التي يريدون إعدادها.
"عرب 48": لكن اليسار الصهيوني أيضًا يشترط اندماج العرب باعترافهم بيهودية الدولة. فما أبرز أوجه الاختلاف بين التوجهين؟
عوايص: يتمثل أحد أوجه التشابه بين تيارات من اليمين واليسار الصهيونيين في العمل ضمن إطار الدولة التي تعرّف نفسها بأنها الوطن القومي للشعب اليهودي. وفي هذا الإطار، يُطرح السؤال حول كيفية إدماج المواطنين الفلسطينيين وضمان حقوقهم ومشاركتهم، والاعتراف بهم بوصفهم جماعة قومية فلسطينية لها مطالب سياسية جماعية.
في المقابل، فإن الاختلافات بين هذه التيارات ليست هامشية. فاليسار الصهيوني بنى تاريخيًا خطابًا يتعلق بالمساواة المدنية ومكافحة التمييز والاعتراف بالحقوق الجماعية للأقليات ودعم حل الدولتين. وفي المقابل، توجد داخل اليمين توجهات تجعل قبول الطابع اليهودي للدولة والالتزام بمصالحها الأمنية والسياسية معيارًا أكثر وضوحًا للشراكة والانتماء.
وفي هذا السياق، تقدم "عتيدنا" نموذجًا لهذا التوجه الأخير، وإن كانت لا تمثل اليمين الصهيوني كله. فهي لا تتحدث فقط عن الحقوق والفرص، وإنما عن إعداد قيادة عربية تتبنى الهوية القومية للدولة وتعمل على تعزيزها، وتواجه ما تصفه بالنزعات الانفصالية داخل المجتمع العربي.
ويتضح البعد السياسي للتنشئة بصورة إضافية في نشاط الحركة بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023؛ إذ نظمت أنشطة مدنية وإغاثية، وأرسلت وفدًا عربيًا إلى ألمانيا لتقديم موقف داعم لإسرائيل ومعارض لحماس، كما طالبت في بيانات لاحقة بعض القيادات السياسية العربية بإعلان مواقف محددة من أحداث الحرب.
وترتبط هذه الأنشطة بالسؤال الذي طرحته المقالة عن النموذج المستهدف، وهو إعداد الشاب العربي ليصبح حاملًا لرواية الدولة ومدافعًا عنها في المجال العام، فيما تقدم الخطابات والبرامج والشهادات التي عرضتها المقالة مؤشرات على النموذج الذي تعمل "عتيدنا" على ترسيخه بين الشباب المشاركين في نشاطها.
أما بالنسبة إلى الفارق بين اليمين واليسار الصهيونيين في هذا السياق، ففي رأيي، لا يصح اختزال الفرق بالقول إن اليسار يريد "العربي الإسرائيلي"، فيما يريد اليمين "العربي الصهيوني"، بوصفهما نموذجين منفصلين تمامًا. فهناك تقاطعات واختلافات داخل كل معسكر، لكن يمكن القول إن توجه اليمين، المتمثل في نموذج "عتيدنا"، يدفع العلاقة خطوة أبعد، من الاندماج في مؤسسات الدولة إلى إعداد قيادة عربية تعتنق رؤيتها القومية والسياسية الصهيونية وتعمل على نشرها.
وهذا ما يجعل الخلاف لا يتعلق بالاندماج وحده، بل بمن يحدد شروطه، وما إذا كانت المواطنة تتيح للمواطن الفلسطيني الاحتفاظ بهويته ومواقفه السياسية، أم يصبح مدى توافقه مع التصور القومي للدولة أحد معايير القبول والتمثيل.
"عرب 48": "عتيدنا" هي واحدة من هذه النماذج، وإن كانت أبرزها، لكن هناك نماذج أخرى مثل "نجوم الصحراء" و"معاسيه". كيف يمكن التمييز بين هذه المؤسسات من حيث الأهداف وطبيعة عملها؟
عوايص: تتقاطع المؤسسات الثلاث في العمل مع الشباب من خلال التعليم والقيادة والتطوع والتأهيل المهني، وفي اعتبار الاندماج داخل المجتمع الإسرائيلي ومؤسساته جزءًا من الأهداف التي تسعى إلى تحقيقها. لكنها تختلف من حيث جمهورها المستهدف وطبيعة برامجها ودرجة ارتباطها بالخدمة العسكرية، والأهم من ذلك مدى وضوح توجهها السياسي.
لكن "عتيدنا" هي الحالة الأكثر اتصالًا بمفهوم صناعة "العربي الصهيوني"، أو الأكثر وضوحًا في تجسيده، كما تناوله المقال. فهي تعمل أساسًا مع الشباب العرب، وتقدم برامج في القيادة والتعليم والتكنولوجيا والتطوع. كما تكمن خصوصيتها في الشراكة المعلنة مع شخصيات من المعسكر القومي الصهيوني، وفي خطابها الذي يربط الاندماج بالاعتراف بإسرائيل دولةً يهودية وديمقراطية، وبناء قيادة عربية جديدة مرتبطة بقيم الحركة ورؤيتها.
أما "نجوم الصحراء"، التي تأسست عام 2013، فتستهدف بصورة أساسية الشباب البدو في النقب، من خلال برامج التعليم الثانوي والقيادة والتأهيل الأكاديمي وبناء شبكات عابرة للانتماءات القبلية. وتعلن المنظمة أنها تسعى إلى إعداد قيادة بدوية قادرة على تطوير المجتمع البدوي وتعزيز المجتمع الإسرائيلي في الوقت نفسه.
وتنبع خصوصية هذه المؤسسة من سعيها إلى إعادة تنظيم أنماط القيادة داخل المجتمع البدوي، ونقل الشباب إلى شبكات أوسع من التعليم والعمل والمؤسسات الإسرائيلية. ويظهر ذلك في رؤيتها الرسمية، التي تجعل الارتباط بالمجتمع الإسرائيلي ومؤسساته والدولة أحد شروط نجاح نموذجها. ويندرج ضمن مؤسسيها متان يافيه، الذي أصبح لاحقًا من مؤسسي حركة "إل هديغيل"، الداعية إلى تعميم الخدمة العسكرية أو الوطنية أو المدنية على جميع فئات المجتمع الإسرائيلي.
في حين أن "معاسيه"، التي تأسست عام 2004، هي مؤسسة أوسع نطاقًا من المؤسستين السابقتين؛ إذ لا تستهدف العرب وحدهم، بل تعمل مع الشباب من فئات متعددة، بينها اليهود والعرب والبدو والدروز، وفق تصنيفها. وتشمل برامجها التطوع والتعليم والقيادة والتأهيل المهني، إلى جانب مسارات تحضيرية للخدمة العسكرية.
ومن أبرز برامجها أكاديمية "معوز هآرتس"، التي تُعدّ شبانًا يهودًا ودروزًا للخدمة في وحدات الاستخبارات الإسرائيلية، وخصوصًا الوحدة 8200، بالتعاون مع الجيش ووزارة الدفاع ومؤسسات حكومية أخرى. وفي الوقت نفسه، تقدم برامج أخرى للعرب تركز على التعليم والتشغيل والحياة المشتركة والقيادة المدنية.
وبذلك، فإن الفارق الأساسي بين المؤسسات الثلاث يتمثل في أن "عتيدنا" تبرز في مجال إعادة تعريف الانتماء والقيادة العربية سياسيًا، و"نجوم الصحراء" في إعداد قيادة بدوية مندمجة في المجتمع الإسرائيلي، بينما تركز "معاسيه" على توفير مسارات متعددة للمشاركة والتأهيل، يرتبط بعضها مباشرة بالمؤسسات العسكرية والأمنية.
"عرب 48": في الختام، يبدو أن هذه الدولة لا تريد لنا الاندماج إلا بشروطها، فيما تتفاوت حدة هذه الشروط باختلاف التوجهات السياسية لمكوناتها. ورغم أن الاختلافات بين هذه التوجهات ليست بسيطة، فإنها تصب في نهاية المطاف في الحفاظ على يهودية الدولة وصهيونيتها. كيف تقرئين ذلك؟
عوايص: الزاوية التي حاولت المقالة إبرازها هي ظهور نموذج محدد وجديد من الاندماج يطرحه اليمين الصهيوني، وتتجلى ملامحه بصورة أوضح في تجربة "عتيدنا". ويربط هذا النموذج المشاركة المدنية والتعليمية بإعادة تعريف الهوية والانتماء، وقبول الطابع القومي اليهودي للدولة، وتبني رموزها وروايتها، والمشاركة في مؤسساتها والدفاع عن مواقفها.
ولهذا، فإن السؤال المركزي لا يتعلق فقط بما يحصل عليه المواطن الفلسطيني من فرص داخل الدولة، وإنما بما يُطلب منه سياسيًا وثقافيًا في المقابل، وما إذا كان الاندماج يتيح له الاحتفاظ بهويته الوطنية وحقه في الاختلاف، أم يدفعه إلى تبني تصور جاهز للمواطن العربي المقبول.
د. سجود عوايص: باحثة وأكاديمية فلسطينية، حاصلة على درجة الدكتوراه من جامعة العلوم الماليزية، ومهتمة بشؤون المجتمع الفلسطيني والعربي.
اقرأ/ي أيضًا | حوار مع سجود عوايص: سيطرة الحركة الصهيونية على امتياز الكهرباء وهندسة العتمة في فلسطين قبل وبعد 1948
سجود عوايص: تفاوت رؤى اليمين واليسار الصهيوني بين صناعة "العربي الإسرائيلي" و"العربي الصهيوني"
في مقال نشرته مؤخرًا مجلة "رؤية"، ناقشت الباحثة سجود عوايص ما وصفته بمحاولات صناعة "العربي الإسرائيلي" القابل للاندماج في المجتمع الإسرائيلي ومؤسساته. وتناولت، بصورة أساسية، توجه اليمين الصهيوني من خلال عدد من النماذج المحسوبة عليه في هذا المجال، مثل "عتيدنا"
