لم تُنهِ نتائج انتخابات الكنيست الإسرائيلية معركة الحكم بقدر ما نقلتها إلى مرحلة أكثر تعقيدًا، بعدما أخفقت المعسكرات المتنافسة في حسم الأغلبية البرلمانية، رغم التراجع الكبير الذي مُنيت به الحكومة الحالية. فنتنياهو، الذي خاض الانتخابات ساعيًا إلى تجديد ولايته، خرج بكتلة لا تتجاوز 53 مقعدًا، فيما لم يتمكن معسكر غادي آيزنكوت من تجاوز 48 مقعدًا، لتبقى المقاعد الـ19 التي حصدتها القائمتان العربيتان (المشتركة والموحدة) عاملًا حاسمًا في تحديد ملامح المرحلة السياسية المقبلة، وسط حسابات ائتلافية متضاربة واستقطاب غير مسبوق بشأن موقع الأحزاب العربية في معادلة الحكم.
وعلى الرغم من أن النتائج حملت تحولًا لافتًا في موازين القوى، فإن الطريق إلى تشكيل حكومة بديلة لا يزال محفوفًا بالعقبات، خصوصًا في ظل إصرار آيزنكوت على إقامة ما وصفها بـ"حكومة صهيونية واسعة"، وطرحه مبادئ تتعلق بطبيعة الدولة والتجنيد والقضاء على القدرات العسكرية والحكومية لحركة حماس في غزة، مقابل مواقف داخل معسكره ترفض التعاون مع الأحزاب العربية. وفي المقابل، يواجه نتنياهو مأزقًا سياسيًا لا يقتصر على خسارة الأغلبية، بل يمتد إلى صعوبة استعادة شركائه السابقين كامل قوتهم البرلمانية.
وفي خضم هذا الانسداد، برز المجتمع العربي بوصفه أحد أبرز محددات المرحلة المقبلة، بعدما حقق تمثيلًا قياسيًا بلغ 19 مقعدًا، مدفوعًا بمشاركة انتخابية واسعة عكست تحولًا في مستوى التعبئة السياسية، لكنها وضعت الأحزاب العربية أيضًا أمام اختبار ترجمة هذا الرصيد إلى نفوذ وتأثير فعليين. وبين محاولات اليمين التشكيك في شرعية التصويت العربي، والضغوط الرامية إلى إبقاء الأحزاب العربية خارج أي معادلة ائتلافية، والتلويح بإمكانية التوجه إلى انتخابات جديدة، تتبلور معركة سياسية تتجاوز هوية رئيس الحكومة المقبلة، لتطال مكانة المواطنين العرب وحدود مشاركتهم في رسم السياسات والقرارات التي تمس مستقبلهم.
ومع دخول المشاورات السياسية مرحلة أكثر جدية، بدأت تتضح بعض ملامح التحركات السياسية؛ إذ تتجه أحزاب المعارضة إلى طرح إقالة رئيس الكنيست أمير أوحانا، في خطوة قد تتيح لها، بالتعاون مع القائمتين العربيتين، تغيير موازين القوى داخل المؤسسة البرلمانية حتى قبل تشكيل الحكومة.
واعتبرت النائبة عن التجمع الوطني الديمقراطي في القائمة المشتركة، د. مها كركبي - صباح، في حديث لـ"عرب 48"، أن "نسبة التصويت المرتفعة في المجتمع العربي، والتي قاربت 80%، تشكّل إنجازًا سياسيًا تاريخيًا، ليس فقط بسبب حجم المشاركة غير المسبوق، بل لأنها تعكس وعي المجتمع العربي بوصفه جماعة سياسية واعية، عبّرت عن رفضها لمسار التدهور الذي شهدته السنوات الأخيرة وسعت إلى وقفه. كما تعكس قدرة المجتمع العربي على التحرك بوصفه قوة سياسية مؤثرة، حالت دون تمكّن بنيامين نتنياهو من تشكيل حكومة جديدة بسهولة، ولا سيما إعادة إنتاج الحكومة الحالية".
على صلة
إنجاز انتخابي تاريخي للمجتمع العربي يعقِّد حسابات نتنياهو ويضع المعارضة الصهيونية أمام الاختبار
وقالت كركبي - صباح إن "من أبرز نتائج الانتخابات تراجع فرص عودة شخصيات مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش إلى الحكومة المقبلة، وهما اللذان تحمّلا مسؤولية أخطر السياسات والبرامج التي شهدتها الحكومة الأخيرة".
ورأت أن "النتائج تحمل رسالة سياسية تتجاوز المشهد الحزبي ومشهد التصويت، إذ لم يتمكن نتنياهو من حسم الانتخابات والحصول على أغلبية تتيح له تشكيل الحكومة، رغم مسؤوليته عن الحرب على غزة، وسياسات الاستيطان والاقتلاع والخطاب العنصري وملاحقة المجتمع العربي".
واعتبرت أن "عجز هذه الشخصيات عن العودة بسهولة إلى الحكم يشكّل مؤشرًا مهمًا إلى أن السياسات التي انتهجتها الحكومة الأخيرة لم تحظَ بتفويض سياسي كافٍ للاستمرار".
وفي السياق ذاته، أشارت كركبي - صباح إلى أن "الانتخابات كرّست حقيقة لا يمكن تجاهلها، وهي أن تشكيل الحكومة بات أكثر صعوبة من دون التعامل مع المجتمع العربي بوصفه قوة سياسية مؤثرة. فالمجتمع الذي يشكّل نحو 20% من السكان استطاع تحويل قدراته السياسية الكامنة إلى تمثيل برلماني وازن، وفرض حضوره في قلب الخريطة السياسية الإسرائيلية".
واعتبرت أن "الهجوم غير المسبوق الذي شنّه اليمين المتطرف ونتنياهو على المجتمع العربي وقياداته، ومحاولات تجريم العمل السياسي والتشكيك في شرعية التصويت العربي، يعكسان إدراكًا لأهمية هذا التحول. فاستهداف النواب والأحزاب العربية لم يعد منفصلًا عن محاولة المساس بشرعية أصوات الناخبين أنفسهم، رغم أن المشاركة السياسية حق أساسي ومتساوٍ للمواطنين".
ترجمة الإنجاز إلى قوة سياسية من دون التنازل عن الثوابت
وفي المقابل، أكدت كركبي - صباح أن "الإنجاز الانتخابي يضع الأحزاب العربية أمام مسؤولية سياسية كبيرة، تتمثل في كيفية استثمار هذا التمثيل وتحويله إلى تأثير ملموس في حياة المواطنين، خصوصًا في ظل غياب أفق سياسي واضح خلال الانتخابات، التي تمحورت أساسًا حول مع أو ضد نتنياهو، من دون طرح برامج جدية تعالج قضايا المجتمع العربي والقضية الفلسطينية".
وحذّرت من "التعامل مع معسكر آيزنكوت باعتباره بديلًا سياسيًا يختلف بالضرورة عن الحكومة الحالية في القضايا الجوهرية"، مشيرة إلى أن "آيزنكوت، وهو جنرال سابق، يحمل مواقف يمينية في عدد من الملفات، فضلًا عن وجود شخصيات في قائمته وفي معسكر التغيير تتبنى مواقف استيطانية، وبعضها يحمل أفكارًا تتعلق بترحيل المواطنين العرب".
وشددت كركبي - صباح على أن "المرحلة تتطلب قدرًا كبيرًا من الحذر والمسؤولية، وعدم الانجرار إلى تقديم تنازلات عن الثوابت الوطنية والسياسية لمجرد أن المجتمع العربي بات لاعبًا مؤثرًا في المعادلة البرلمانية".
وشددت على أن "المطلوب هو إيجاد توازن بين التمسك بالقضايا التي لا يمكن التنازل عنها، وبين الهدف الإستراتيجي المتمثل في منع عودة نتنياهو وحكومته"، موضحة أن "المسألة لا تتعلق بشخص نتنياهو وحده، بل بالمخاطر الوجودية التي حملتها حكومته وسياساتها تجاه المجتمع العربي والفلسطينيين".
ولفتت كركبي – صباح إلى أن "بلورة موقف سياسي في هذه المرحلة تستوجب تشاورًا واسعًا داخل القائمة المشتركة والأطر الحزبية المختلفة، من أجل التوصل إلى معادلة توازن بين المشروع السياسي للأحزاب العربية والمخاطر التي تفرضها المرحلة الراهنة. وهذه المسألة لا يمكن حسمها بصورة متسرعة، بل تحتاج إلى نقاشات معمقة وتوافقات داخلية".
آيزنكوت أمام اختبار التعامل مع المجتمع العربي
وفيما يتعلق بالفرضية القائلة إن اتساع التمثيل العربي والارتفاع الكبير في نسبة التصويت قد يدفعان آيزنكوت إلى الابتعاد عن الأحزاب العربية خشية تنامي نفوذها السياسي، قالت كركبي - صباح: "لا أرى إمكانية أمامه لتشكيل حكومة وتجاهل المجتمع العربي بصورة كاملة. فإذا كان جادًا في مسعاه لقيادة المعسكر المناوئ لنتنياهو وتشكيل الحكومة المقبلة، فسيكون مطالبًا بحسم موقفه من المجتمع العربي والناخبين العرب، وتحديد ما إذا كان مستعدًا للتعامل معهم كشريك سياسي، أم أنه يريد إبقاءهم على هامش الخريطة السياسية".
وأكدت أن "المسؤولية في هذا السياق تقع على عاتق معسكر آيزنكوت، الذي يتعين عليه إعادة حساباته، بدلًا من مطالبة الأحزاب العربية بالتراجع عن ثوابتها أو تقليص مساحة مشروعها السياسي".
وأوضحت كركبي - صباح أن "تحويل التمثيل البرلماني إلى تغيير ملموس في الحياة اليومية للمواطنين لن يكون مهمة سهلة، سواء من خلال ترتيبات تتعلق بشبكة أمان برلمانية أو أشكال أخرى من التعاون السياسي. فهناك عقبات داخل الأحزاب العربية نفسها، وكذلك داخل معسكر آيزنكوت، حيث أعلنت شخصيات فيه بوضوح رفضها الجلوس مع الأحزاب العربية أو الاعتماد على دعمها".
وأضافت أن "آيزنكوت يواجه تحديات تتعلق بالسيناريوهات البديلة، وفي مقدمتها إمكانية تشكيل حكومة وحدة وطنية، وهو خيار سيضعه أمام سؤال كيفية تفسير ذلك لناخبيه، بعدما تعهد بمنع استمرار نتنياهو في رئاسة الحكومة. أما السيناريو الثالث، المتمثل في التوجه إلى انتخابات جديدة، فهو يصب في مصلحة نتنياهو بالدرجة الأولى".
وأشارت كركبي - صباح إلى أن "المشهد السياسي لا يزال معقدًا، ومن المبكر الجزم بالسيناريو الذي سيتحقق، رغم ما يُتداول من تسريبات بشأن اتصالات مع الأحزاب العربية. ومن المتوقع أن تؤثر التوترات الأمنية والإقليمية المحتملة في الحسابات السياسية، وهو ما اعتاد نتنياهو توظيفه من خلال استغلال الملفات الأمنية والتوترات الإقليمية في سياق المعركة السياسية، بما قد يغيّر موازين القوى ويؤثر في فرص تشكيل الحكومة المقبلة".
تفكيك أركان الحكومة السابقة
وبخصوص محاولات استبدال رئيس الكنيست الحالي وانتخاب رئيس جديد، شددت كركبي - صباح على "ضرورة العمل لإزاحة الشخصيات التي تشكّل أعمدة الحكومة السابقة، باعتبار أن ذلك جزء من الجهود الرامية إلى تفكيك منظومة الحكم التي شكّلت خطرًا متصاعدًا لم نشهده من قبل".
وقالت إن "رئيس الكنيست الحالي لم يكن مجرد شخصية إجرائية في المؤسسة البرلمانية، بل مثّل جزءًا أساسيًا من توظيف العنصرية في عرقلة خدمة مجتمعنا، وهو ما انعكس على عمل النواب العرب وقدرتهم على إيصال صوت المجتمع العربي وتمثيله".
وختمت كركبي - صباح بالتأكيد على "ضرورة استثمار القوة السياسية التي أفرزتها الانتخابات في مواجهة الشخصيات والمؤسسات التي أسهمت في ترسيخ سياسات الحكومة السابقة، والعمل على تغيير موازين القوى داخل المؤسسة البرلمانية، بما يفتح المجال أمام تغيير حقيقي في التعامل مع المجتمع العربي وحقوقه ومكانته السياسية".
النائبة مها كركبي - صباح: 19 مقعدا عربيا تفرض معادلة سياسية جديدة وتضع آيزنكوت أمام اختبار الشراكة
لم تُنهِ نتائج انتخابات الكنيست الإسرائيلية معركة الحكم بقدر ما نقلتها إلى مرحلة أكثر تعقيدًا، بعدما أخفقت المعسكرات المتنافسة في حسم الأغلبية البرلمانية، رغم التراجع الكبير الذي مُنيت به الحكومة الحالية. فنتنياهو، الذي خاض الانتخابات ساعيًا إلى تجديد ولايته،
