منذ ظهور نتائج الانتخابات النهائية، نُشر الكثير من المقالات والمعالجات والتحليلات عن هذه النتائج، وتركزت هذه على السياق الإسرائيلي العام بكل ما يتعلق باحتمالات تشكيل الحكومة القادمة، ومواقف الأحزاب العربية من موضوع التوصية ودخول الائتلاف، وهذه كلها مواضيع مهمة وتمت بصلة مباشرة لكل مقومات المعركة الانتخابية ونتائجها، خاصة بما أسفرت عنه من سيناريو واقعي وحقيقي لمنع نتنياهو ومعسكره من تشكيل الحكومة القادمة.
وهذا كان الهدف الأول الذي أراده كل مصوت عربي ذهب إلى الصندوق في 27 تشرين الأول/ أكتوبر، وبهذا المعنى فقد حققنا إنجازا كبيرا وتاريخيا، يؤثر في حياتنا ووجودنا تأثيرا مباشرا قابلا للتحقيق وهو إسقاط نتنياهو وائتلافه الفاشي.
هذه الملاحظات تُعنى بقراءة مرحلة ما بعد الانتخابات، ومقاربة التغيرات والتطورات التي جرت في المجتمع الفلسطيني خلال الأشهر الأخيرة المسؤولة إلى حد بعيد عن المشاركة القياسية في التصويت عند العرب، وما ينبغي أن يكون على رأس سلم أولويات القيادات والأحزاب والنخب الفلسطينية في الداخل في السنوات القادمة.
1. من الطبيعي أن يتوجه الاهتمام والتركيز في مجتمعنا ولدى الأحزاب العربية على ما سيحدث أو ما لن يحدث في الساحة الإسرائيلية، من تفاعلات وقرارات بشأن تشكيل الحكومة القادمة وخاصة احتمالات بقاء نتنياهو رئيسا لحكومة وحدة وطنية. وصحيح أن هذا احتمال ضئيل، ولكنّ الإدارة الأميركية تضغط بهذا الاتجاه وقد يؤثر هذا في موقف أشخاص مثل بينيت خصوصا، وحتى في موقف ليبرمان المعروف بكراهيته الشخصية لنتنياهو.
2. قراءة صحيح ومعمقة لرد فعل المجتمع الفلسطيني وإقباله على التصويت بنسب قياسية غير مسبوقة تاريخيا، تفضي إلى استنتاجين في غاية الأهمية:
الأول: كان هذا الإقبال رد فعل شجاعا ونبيلا من كل فئات المجتمع الفلسطيني وشرائحه، على كل المعاناة والتنكيل والكبت والتحريض والتخويف من كل اليمين وعلى رأسه نتنياهو شخصيا، وخاصة بعد السابع من أكتوبر. بمعنى آخر جاء هذا الإقبال الجارف كرد فعل عاطفي على ما رأى به الفلسطينيون في الداخل خطرا على مجرد وجودهم.
الثاني: أن رد الفعل العاطفي هذا يشكل دليلا قاطعا لم نشهد له مثيلا في الماضي من ناحية المشاركة الجمعية على أننا شعب ومجتمع متماسك، وأن ما يجمعنا من انتماء وشعور بالوحدة القومية أقوى من كل محاولات وسياسات التفرقة، وجعلنا طوائف ومناطق وأفرادا بهوية مشوهة وانتماء مضروب، وحتى العنف والجريمة المستشرية بتشجيع الحكومة وشرطة بن غفير حصريا لم تؤثر كما خشي البعض، أو أمل غيرهم، في خفض نسبة التصويت.
3. هذه القراءة تعني فيما تعنيه عدة أمور على القيادات والأحزاب والمؤسسات العربية، بما فيها لجنة المتابعة والمجتمع المدني، الانتباه إليها ووضع إستراتيجيات وآليات عمل لمتابعتها، ذلك أن نسبة التصويت هذه لا تعني ولا بأي شكل من الأشكال أنها ستتحقق في كل انتخابات قادمة، وإنما هي دليل على ما يمكن الوصول إليه من قوة تمثيلية فيما لو خرج العرب للتصويت بكثافة، وكذلك هي البرهان للأحزاب على الحكمة الجماعية والشجاعة الوطنية لدى شعبنا والتي تجلت في كل مرة (من يوم الأرض وحتى هبة الكرامة)، وأن هذا الشعب يسبق القيادات والأحزاب والمؤسسات في الرد والتصرف الجماعي الوطني. والمطلوب هو العمل منذ الآن على تحويل هذه المشاركة الاستثنائية من رد فعل عاطفي إلى وعي سياسي، وإدراك جماعي لعوامل القوة لدينا، وتوطيدها كنهج وموقف صلب للأقلية القومية.
4. الخطوة الأولى على هذا الطريق يجب أن يأتي وبسرعة من تغيير في منهجية عمل المشتركة وخاصة عمل الأحزاب الثلاثة وكوادرها، بهدف تحقيق انسجام كامل وتنسيق وشفافية كاملة على مستوى النواب وعمل الكتلة، والإعلان منذ الآن أن المشتركة قامت لكي تبقى وأن مركباتها ستسعى إلى توثيق العمل المشترك وتجنب التنافس الحزبي داخل الكتلة، ووأد سلوكيات "الحليف اللدود" مع الاستعداد والانفتاح على أفكار واقتراحات من مثقفين وأكاديميين مشتبكين مع قضايا شعبهم، من الذين بوسعهم أن يقدموا قيمة مضافة للمشتركة في نموذج مختلف ونقيض لنموذج لجنة الوفاق.
والطريق إلى ذلك ليس سهلة، وسيكون هناك الكثير من العثرات والتحديات التي ستفرض على مركبات المشتركة التعالي عن الحساسيات الحزبية القديمة، وما سيستجد من تحديات سواء في معالجة آثار إلغاء ترشيح رئيس حزب التجمع، سامي أبو شحادة، وتحقيق نتائج عادلة أكثر، بمعنى رفض أن يملي علينا شطب رئيس حزب، وهو مركب أساسي من المشتركة، نتائج الانتخابات، وأعتقد أن على رئيس القائمة المشتركة، البروفيسور يوسف جبارين، أن يلعب دورا مهما في قيادة المشتركة إلى شط الأمان.
5. بعد ذلك، أو بالأحرى بالتوازي معه، من الضروري العمل مع الموحدة فيما يمكن الاتفاق عليه (ولهذا لقاء الكتلتين بالأمس كان خطوة مباركة)، خاصة بالأسابيع القليلة القادمة حيث أن وزن 19 نائبا أكبر، لا سيما في ما سيكون أمام الكتلتين من تحديات في المفاوضات والاتصالات، واضعين نصب أعينهم تحمل المسؤولية التي حمّلها إياهم شعبنا بهذا التصويت غير المسبوق.
6. المبادرة إلى ندوات ومنصات نقاش وحوارات ودعم إقامة مراكز دراسة السياسات (Think Tanks)، وجعل مواضيع الهوية والانتماء والعلاقة مع الدولة وتنظيم المجتمع الفلسطيني في الداخل على أساس قومي، وبناء مؤسسات ذات وزن وتأثير جماهيري وفي مقدمتها إعادة بناء لجنة المتابعة من خلال انتخابها مباشرة من قبل الناس، وتوطيد عمل السلطات المحلية من خلال لجنة رؤساء السلطات المحلية العربية.
ملاحظات سريعة عن مرحلة ما بعد الانتخابات
منذ ظهور نتائج الانتخابات النهائية، نُشر الكثير من المقالات والمعالجات والتحليلات عن هذه النتائج، وتركزت هذه على السياق الإسرائيلي العام بكل ما يتعلق باحتمالات تشكيل الحكومة القادمة، ومواقف الأحزاب العربية من موضوع التوصية ودخول الائتلاف، وهذه كلها مواضيع مهمة
