في أحد أفلام الخيال التي أذكرها، يظهر كائن شرير يعود إلى الظهور كلما ظن الناس أنهم تخلصوا منه بشتى الطرق، إلى أن يتخلصوا منه بالفعل في نهاية الفيلم، ولكن بعد تضحيات وخسائر هائلة بالأرواح والأملاك.
يُذكّرني نتنياهو بهذا المشهد كلّما حسبت أنه انتهى.
يوم أمس السبت، 7 تشرين الثاني/نوفمبر، كلّف الرئيس الإسرائيلي يتسحاق هرتسوغ غادي آيزنكوت بتشكيل الحكومة.
منذ بدأت التحقيقات في شبهات الفساد قبل نحو عقد، تعلّم نتنياهو كيف يحوّل كل موعد كان يُفترض أن يقرّب نهايته السياسية إلى بداية معركة جديدة. وُجّهت إليه الاتهامات عام 2019، وبدأت محاكمته عام 2020 في قضايا تشمل الرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة. خرج من رئاسة الحكومة عام 2021، ثم عاد بعد انتخابات 2022. وفي هذه العودة ما يدعو إلى الحذر كلّما قيل إن نهايته باتت مؤكّدة. فقد أثبت أن خروجه من الحكم قد يمنحه وقتًا لإعادة تجميع حلفائه.
كان لعودته ثمن دفعته مؤسسات الدولة. دفعت حكومته بخطّة لتغيير العلاقة بين السلطة السياسية والقضاء، وأقرّ الكنيست في آذار/مارس 2025 تعديلًا يوسّع نفوذ السياسيين في اختيار القضاة، على أن يبدأ تطبيقه مع ولاية الكنيست التالية. وكان نتنياهو يحاكَم أمام المحكمة المركزية في القدس. وهنا موضع تضارب المصالح الذي أثاره خصومه. فرئيس الحكومة المتهم جنائيًا يقود ائتلافًا يسعى إلى توسيع نفوذ السياسيين في جهاز القضاء بينما قضيته ما زالت غير محسومة. اتخذ سعيه إلى إنهاء المحاكمة مسارًا مباشرًا أيضًا، حين طلب عفوًا من هرتسوغ قبل صدور الحكم، وحين دعا صديقه دونالد ترامب علنًا إلى منحه العفو.
على امتداد ولايتين، أعطى ترامب نتنياهو ما استطاع عرضه على الإسرائيليين بوصفه إنجازات شخصية لنتنياهو. افتُتحت السفارة الأميركية في القدس في أيار/مايو 2018، واعترف ترامب في آذار/مارس 2019 بسيادة إسرائيل على الجولان السوري المحتل. وفي شباط/فبراير 2026 بلغ التعاون حدّ شنّ الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران واستهداف قيادتها، بما فيها علي خامنئي.
كانت كلفة دخول الحرب باهظة على ترامب بعد الانتخابات النصفية. فقد أقرّ بأن الحرب ساهمت في خسارة الجمهوريين، وربط نائبه جيه دي فانس الخسارة بالحرب وعلاقة واشنطن بإسرائيل.
وفي داخل إسرائيل، ارتبطت عودة نتنياهو إلى الحكم بتحالفه مع اليمين المتطرّف. تولّى الفاشي إيتمار بن غفير وزارة الأمن القومي، وتولّى الفاشي بتسلئيل سموتريتش وزارة المالية وحصل على صلاحيات في إدارة شؤون الضفة الغربية المحتلّة. وحين التمست القائمة المشتركة خلال الحملة الانتخابية منع بن غفير وحزبه من توظيف هدم البيوت العربية في الدعاية، كانت تشير إلى جانب ملموس من أثر هذا التحالف على المواطنين العرب. واليوم، حين تملك أصواتهم القدرة على ترجيح كفّة خصمه، يعود نتنياهو إلى تقديم أثرها السياسي بوصفه خطرًا على الدولة.
في كلمته يوم أمس السبت، حذّر نتنياهو من أن حكومة تستند إلى الأحزاب العربية ستؤدّي، في رأيه، إلى تفكّك إسرائيل على غرار ما قال إنه يحدث في دول أوروبية. وأخذ فرنسا مثالًا. وهي احتجاجات بدأت بين طلاب الثانويات واتّسعت لتشمل غلاء المعيشة والخدمات العامة، وتختلف في أسبابها عن تصويت نواب عرب على قيام حكومة. لكن نتنياهو يوظّف المقارنة للضغط على معسكر التغيير، ثم يعرض عليه حكومة وحدة تضمّ الأحزاب الصهيونية وتستثني القائمتين العربيتين. ونزع الشرعية هذا يعني خطورة تجنيد الشارع من أنصار الحكومة الفاشية للعنف، على غرار ما حدث في الكابيتول في 6 كانون الثاني/يناير 2021، بعد فوز بايدن. في الواقع، فإنه يحرّض على مواجهات قد تنطلق شرارتها في يوم إعلان التصويت على تشكيل حكومة التغيير.
في الوقت نفسه، أعلن الليكود عزمه التوجّه إلى القضاء للمطالبة بإعادة الانتخابات، بعدما صرّحت لجنة الانتخابات بأنها لم تجد أدلّة على مخالفات تمسّ نزاهة الاقتراع أو تؤثّر في النتائج. الاعتراض على النتيجة وعرض الوحدة طريقان يسلكهما نتنياهو معًا.
ردّ آيزنكوت بأن الليكود يستطيع الانضمام إلى حكومة برئاسته إذا فكّ تحالفه مع من وصفهم بالمتطرّفين وقَبِل مبادئه، في إشارة إلى حزبَي بن غفير وسموتريتش. وفي موازاة ذلك، يسعى معسكر التغيير إلى إقامة لجنة تحقيق رسمية في "إخفاقات السابع من أكتوبر"، وقد يصل تحقيق مستقلّ إلى تحميل رئيس الحكومة المسؤولية أو جزءًا منها. في الواقع، فإن آيزنكوت يدعو إلى تمرّد سياسي داخل الليكود.
المشتركة والموحّدة أوصتا بتكليف آيزنكوت تشكيل الحكومة لقطع الطريق على نتنياهو، فيما بقي شكل علاقتهما بالحكومة المقبلة مفتوحًا. فالموحّدة سبق أن شاركت في حكومة بينيت–لبيد، ومنصور عباس دافع عن حقّها في المشاركة في الحكم. ومن الصيغ التي قيل إن آيزنكوت طلب فحصها أن يصوّت يوآف سيغالوفتش، النائب عن الموحّدة، لصالح قيام الحكومة، فيما يمتنع سائر نواب الموحّدة.
هنالك فرق بين نائب يمنح الحكومة صوته في جلسة واحدة، وقائمة تتفاوض على برنامج والتزامات وتملك أن تحاسب الحكومة على تنفيذها. وقد تختار القائمتان صيغتين مختلفتين للتعامل مع آيزنكوت. لكن من حقّ الناخبين العرب أن يعرفوا ما الذي سيطلبه ممثلوهم في ملفات مثل مكافحة الجريمة المنظّمة ووقف هدم البيوت، وما موقف الحكومة التي قد يساعدون على قيامها من الاحتلال ومن السلطة الفلسطينية في رام الله، وخصوصًا الوضع المُلحّ في الضفة الغربية وعدوان المستوطنين المتواصل اليومي على الناس وأملاكهم.
تقع المسؤولية اليوم على من يريدون إزاحة نتنياهو في أن يبيّنوا كيف يريدون التعامل مع القوائم العربية التي ساعدتهم في الوصول إلى التكليف والتي ستمنع نتنياهو من العودة إلى الحكم، لتكون محطته السياسية الأخيرة، كل هذا دون أن نهمل إمكانية إشعاله جبهة إيران رغم أن الأمر بات أكثر صعوبة بعد هزيمة شريكه في البيت الأبيض أمام القوى الصاعدة من الديمقراطيين.
محاولة نتنياهو للنجاة وقودها العرب...
في أحد أفلام الخيال التي أذكرها، يظهر كائن شرير يعود إلى الظهور كلما ظن الناس أنهم تخلصوا منه بشتى الطرق، إلى أن يتخلصوا منه بالفعل في نهاية الفيلم، ولكن بعد تضحيات وخسائر هائلة بالأرواح والأملاك. يُذكّرني نتنياهو بهذا المشهد كلّما حسبت أنه انتهى. يوم أمس السب
