لا يزال بيننا مَن يتحدّث عن الدولة كأنها سويسرا أو السويد أو فنلندة، حيث الديمقراطيّة تعمل بنجاعة، والأحوال مستقرّة، والدولة لجميع مواطنيها. لا يزال بيننا مَن يوهم الناس بأنّه لو لم يبقَ النواب العرب في المعارضة لتغيّرت أحوال الناس بـ180 درجة. ومثلهم الذين يكتبون كلامًا كأنه لم تكن إبادة، وليس هناك اقتلاع وتهجير وتقتيل كل يوم في غزة ولبنان والضفّة. يتحدثون كأنه ليس هناك حكومة شياطين حُمر، وتحريض عنصريّ، وعنف يملأ كل مطارحنا. على رأس هذه الجوقة شاب كان يُمكن أن يكون طبيب أسنان، لولا أنه قرّر أن يكون زارع أوهام بامتياز وصانع شعارات، مثله مثل اليمين الإسرائيلي تمامًا.
سنشرح ونعود ونشرح أن الوضع في البلاد سائل وينطوي على مخاطر، أوّلها خطر إسقاط المواطنة عن الفلسطينيين، تمهيدًا لزجّهم في خانة "العدو الفلسطيني". والرائي إلى ما يحدث في النقب سيستدلّ على اتجاه الرياح في هذه الديار. مَن يُتابع تصريحات وزراء الحكومة المتّصلة بالخارج وبالداخل سيكتشف أننا حيال مشاريع جهنّمية وضعتها طواقم جماعة "كهيلت"، تخصّ الفلسطينيين في الجليل والمثلّث والساحل والمدن الفلسطينيّة التاريخيّة. مَن يقرأ بشكل واقعي وهادئ فضيحة الأستاذ الذي خطّط لمجزرة متنقّلة في بلداتنا سيعرف أن الأمر جلل، وأنه يتّصل بنا هنا. مَن يسمع ويُشاهد ويقرأ برويّة الخطاب الإسرائيلي سيستخلص أمرًا واحدًا لا ثاني له: أن "الجماعة" تقصد ما تقول، وأن قولها ليس دعاية انتخابيّة. وعليه، ستسقط كلّيًّا أطروحة منصور عبّاس البائسة، والداعية إلى التخلّص من الهويّة الفلسطينية ومن السرديّة المعتمدة لدى شعبنا، والاكتفاء بمواطنة منقوصة وعُرضة للانتهاك كلّ يوم. ستسقط إذا ما أقرّينا بأن الدولة والمجتمع الإسرائيليين قبلا بواقع إسقاط الشرعية السياسيّة عن الفلسطينيين عمومًا، وحاملي الجنسيّة الإسرائيليّة تحديدًا، وهما ماضيان في نزع إنسانيتهم تمهيدًا لمشاريع العنف المبيّتة.
يُمكن للمتوهّمين أن يواصلوا الأضاليل أو التساذج أو دحرجة الأطروحات التي لا تصمد أبدًا في امتحان الواقع، وإن كانت تصمد في امتحان الأمنية. كلّنا نتمنّى واقعًا مغايرًا. كلّنا نأمل أن تنفرج وتختفي حكومة الأشرار والشياطين الحمر. إلّا أن الوقائع على الأرض تقول خلاف ذلك. فهل يصحّ أن نظلّ نائمين على وهمنا أو آمالنا بينما الواقع دمويّ بكل معنى الكلمة؟ وهو كذلك ليس لأن النوّاب العرب أسقطوا حكومة بينيت - لبيد، كما يدّعي منصور عبّاس كذبًا وافتراءً، بل لأن النُخب الإسرائيلية كلّها - ما عدا هوامش ضيّقة ربّما - قررت حسم المسألة الفلسطينية بالقوة، وانسحبت من كل اعتراف أو تفاوض أو اتفاقيّة. لأن هذه النُخب قرّرت أن تلغي نظام التدريج للفلسطينيين وتجعلهم "عدوًّا واحدًا" من البحر إلى النهر. لأن هذه النُخب قررت الانخراط في الصراع الدوليّ على الموارد من المحور الأميركي، مقابل إطلاق يدها في تصفية فلسطين شعبًا وقضيّة. هذا هو منبع الشرّ والاقتلاع والتهجير والإبادة وبن غفير والليكود والمستوطنين وجموحهم.
إنه المنزلق الذي اختاره الإسرائيليون بمحض إرادتهم ووعيهم، لاعتقادهم أنها فرصة تاريخية لتصحيح خطأ بن غوريون في قبول قرار التقسيم وإبقاء الفلسطينيين في فلسطين.
عليه، فإن الذي يحكي بالشعارات ويُروّج لها هو الذي يكذب على شعبه مع سبق الإصرار في توصيف الواقع أو قراءته، وهو الذي يجتهد في ليّ عنق الواقع كي يُناسب نهجه المغامر في وقت لا يقبل المغامرة. النائب منصور عباس، ورهطه معه، ومعهم ذباب إلكتروني وحسابات وهميّة - الذي انشقّ عن شعبه وأدار ظهره لهويّته، بما فيها الإسلامية، هو الذي يعيش على شعارات لا طائل تحتها كي يستر انشقاقه. وهو أكثر من أي سياسيّ عربيّ هنا يعتمد نهج الهجوم على زملاء الأمس كي نراه. مَن يتتبّع تصريحاته سيجد أن 90 بالمئة منها أو أكثر يتعلّق بـ"المشتركة"، بينما هو لا يجرؤ على مواجهة الواقع ومُحدثيه في النُخب اليهودية. يبدو لي أحيانًا أن اختصاصه ليس في طبّ الأسنان ولا في علوم الشريعة، بل في التحريض على القيادات العربيّة التي يكشف مجرّد وجودها، وقبل أن تنطق بكلمة، بؤس نهجه وضآلته. ليس صدفة أن مَن انشقّ عن شعبه سيظلّ مشغولًا بتبرير فعلته، وعلى نهج نتنياهو، سيعمد إلى اتّهام خصومه والافتراء عليهم وتصوير نفسه ضحيّة!
مَن ينشقّ عن شعبه ينبغي أن "يغرش" ويختفي، لا أن يعلّم الناس السياسة. أمّا ما حصل ليوسف حداد فيُمكن أن يكون درسًا. فيوسف الذي تخلّى عن أصله وفصله في سبيل دولة الفاشيين يُلفي نفسه الآن عاريًا أمام منظومة عنصريّة فاشية تهيئه لـ"الذبح". لا أقول هذا شماتة، بل وصفًا لما يحصل. ويوسف حداد شخص واحد وحيد رفضت النُخب قبوله عضوًا فيها رغم "تضحياته"، وهي النُخب ذاتها التي أخرجت الدروز من الـ"نحن" السياسيّ من خلال قانون القوميّة، وهي النُخب التي تستعدي العرب جميعًا، وهي النُخب التي تلفظ "مُرتزقتها". ومن لا يتعلّم من هذه الدروس فإما أنه عقيم في تفكيره، أو هو تابع ذليل في نفسيّته. مواجهة الفاشيّة تستدعي الصمود، لا طأطأة الرأس والسير أمامها كالغنم إلى الذبح!
المنشقّ عن شعبه سيلجأ إلى الأضاليل لتبرير فعلته
لا يزال بيننا مَن يتحدّث عن الدولة كأنها سويسرا أو السويد أو فنلندة، حيث الديمقراطيّة تعمل بنجاعة، والأحوال مستقرّة، والدولة لجميع مواطنيها. لا يزال بيننا مَن يوهم الناس بأنّه لو لم يبقَ النواب العرب في المعارضة لتغيّرت أحوال الناس بـ180 درجة. ومثلهم الذين يكت
