2026/11/05Last News | آخر الأخبار على مدار الساعة18° حيفا
Last News | آخر الأخبار — Last News
عربي ودولي

ثلاث سنوات على 7 أكتوبر: هل تغيّرت العقيدة الأمنية الإسرائيلية أم أولوياتها؟

في الذكرى السنوية الثالثة لهجوم السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، لا يزال النقاش يتصاعد داخل إسرائيل حول مستقبل عقيدتها الأمنية، وحدود التحولات التي أحدثتها الحرب في التفكير العسكري والإستراتيجي، ومدى صلاحية المبادئ التي حكمت الأمن القومي الإسرائيلي لعقود، و

ثلاث سنوات على 7 أكتوبر: هل تغيّرت العقيدة الأمنية الإسرائيلية أم أولوياتها؟
في الذكرى السنوية الثالثة لهجوم السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، لا يزال النقاش يتصاعد داخل إسرائيل حول مستقبل عقيدتها الأمنية، وحدود التحولات التي أحدثتها الحرب في التفكير العسكري والإستراتيجي، ومدى صلاحية المبادئ التي حكمت الأمن القومي الإسرائيلي لعقود، وقد تجاوز هذا النقاش مراجعة الإخفاق الاستخباري والعسكري إلى مساءلة العلاقة بين الأمن والهوية القومية، ومكانة الحرب والسلام ووظيفة الاستيطان وحدود استخدام القوة.
وفي هذا السياق، نشر الرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكرية ورئيس معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، تامير هايمان، في 7 أكتوبر 2026، ورقة بعنوان "تصور الأمن القومي الجديد: تأطير مفاهيمي وأسئلة للنقاش". طرح فيها فرضية أن إسرائيل بدأت تعتمد تصورًا أمنيًّا جديدًا رغم غياب وثيقة رسمية تحدد مبادئه، وأن هذا التحول قد يعكس تغيرًا جوهريًّا في هوية الدولة نفسها.
تثير هذه الفرضية إشكالية تتعلق بطبيعة التغيير الذي شهدته إسرائيل بعد 7 أكتوبر؛ فالمبادئ التي يعتبرها هايمان جديدة، وفي مقدمتها المبادرة الهجومية وتوظيف الاستيطان في الأمن وأولوية الهوية اليهودية، تمتلك جذورًا تاريخية في التفكير السياسي والأمني الإسرائيلي. ومن ثم، فإن فهم التحول الجاري يستدعي التمييز بين نشوء مبادئ أمنية جديدة وإعادة ترتيب مبادئ قائمة، وبين التغير الذي تفرضه التحديات العسكرية والتغير الذي تدفع إليه أهداف سياسية وأيديولوجية سابقة للحرب.
ما الذي تغيّر في التصور الأمني الإسرائيلي؟
ينطلق هايمان من علاقة هرمية تربط الهوية القومية بالتصور الأمني والسياسة الأمنية، فالهوية تحدد طبيعة الدولة ومرجعياتها، ويستمد التصور الأمني مبادئه منها فيما تحوّل السياسة الأمنية هذه المبادئ إلى قرارات وإجراءات. وبناءً على ذلك، يرى أن التغيير الجوهري في التصور الأمني قد يعكس تحولًا في هوية الدولة، وموقعها الإقليمي والدولي.
ويستخلص من الممارسة الإسرائيلية عشرة مبادئ تشكل -وفق تقديره- ملامح التصور الجديد. وتشمل تقديم الهوية اليهودية على الديمقراطية، والتعامل مع السلام باعتباره وسيلة مؤقتة، والنظر إلى الحرب بوصفها حالة دائمة، وتفضيل المبادرة الهجومية والحرب الوقائية على انتظار التهديدات. كما تشمل إنشاء مناطق للدفاع الأمامي، والتشكيك في تماسك الدول العربية بوصفها دولًا قومية، ورفض الدولة الفلسطينية، وتعزيز الدور الأمني للاستيطان والمدنيين، وتقليص الاعتماد على الولايات المتحدة، وتوسيع الاستقلال الصناعي والأمني.
وتكمن أهمية هذه القراءة في ربط التحولات العسكرية والسياسية والأيديولوجية ضمن إطار واحد، لكنها تواجه إشكالية منهجية تتعلق باستخلاص عقيدة متماسكة من مجموعة ممارسات لم تتبنها المؤسسات الإسرائيلية رسميًّا. فوجود اتجاهات متقاربة في السياسات لا يكفي لإثبات أنها تستند إلى تصور أمني موحد، خصوصًا عندما تتداخل حسابات الحكومة مع التقديرات المهنية للمؤسسة العسكرية ومتطلبات إدارة الحرب. ويستدعي ذلك فحص مدى تحول هذه الاتجاهات إلى مبادئ مؤسسية مستقرة، بدلًا من افتراض أن استمرار تطبيقها يعكس توافقًا حول أهدافها.
العقيدة التقليدية بين الدفاع والمبادرة الهجومية
تظهر إحدى الإشكاليات الأساسية في قراءة هايمان عند مقارنته التصور الجديد بالعقيدة الأمنية التقليدية، التي يعرضها بوصفها منظومة قامت على "الردع والإنذار والحسم"، وتعاملت مع الحرب باعتبارها حالة استثنائية ينبغي تقصيرها لإتاحة فترات طويلة من الهدوء والبناء الاقتصادي والاجتماعي.
غير أن هذا التوصيف لا يستوعب جميع مكونات العقيدة التي تبلورت في عهد دافيد بن غوريون. فقد جمعت تلك العقيدة بين الطابع الدفاعي المعلن والإستراتيجية العسكرية الهجومية، واعتمدت نقل المعركة إلى أراضي الخصم لتعويض محدودية العمق الجغرافي والتفوق العددي العربي. كما ارتبطت إدارة الأمن الجاري بعمليات الرد العسكري والردع، الأمر الذي يجعل المبادرة الهجومية جزءًا من التفكير الأمني الإسرائيلي منذ مراحله التأسيسية.
واستمر هذا التوجه خلال العقود اللاحقة، وصولًا إلى تطوير إستراتيجية "المعركة بين الحروب" التي اعتمدت عمليات عسكرية متواصلة خصوصًا في سورية، لمنع تعاظم قدرات الخصوم وتحسين الظروف الإستراتيجية قبل اندلاع مواجهة واسعة. وقد ناقشت دراسات إسرائيلية قبل 7 أكتوبر العلاقة بين هذه الإستراتيجية، والمبادئ التقليدية للردع والحسم وإدارة المخاطر.
وعليه، فإن التحول الذي يستحق البحث يتعلق بتغير موقع المبادرة الهجومية في ترتيب الأولويات، وتراجع الثقة بفاعلية الردع والإنذار المبكر بعد إخفاق 7 أكتوبر، واتساع الاستعداد لاستخدام القوة على نحو مستمر. ويكشف هذا التمييز عن تغير في كيفية توظيف الأدوات العسكرية وحدود استخدامها، من دون افتراض أن إسرائيل انتقلت من عقيدة دفاعية خالصة إلى أخرى هجومية بالكامل.
الهوية اليهودية والاستيطان في معادلة الأمن
تتطلب المقارنة التي يقدمها هايمان مراجعة مماثلة عند مناقشة العلاقة بين الهوية اليهودية والديمقراطية، فهو يستند إلى وثيقة الاستقلال لعرض التصور التقليدي باعتباره قائمًا على الجمع بين الطابع اليهودي للدولة والمساواة المدنية، ثم يقارنه بتصور جديد يعطي الأولوية للتفوق القومي اليهودي، غير أن التجربة التاريخية الإسرائيلية تكشف عن توترات بنيوية بين هذين المكونين سبقت الحرب بفترة طويلة.
فقد فرضت إسرائيل الحكم العسكري على معظم مواطنيها الفلسطينيين حتى عام 1966، ثم أقر الكنيست عام 2018 قانون أساس القومية الذي حصر ممارسة حق تقرير المصير القومي في الدولة بالشعب اليهودي. ولذلك، فإن تقديم الهوية القومية على المساواة المدنية لا يمثل تطورًا بدأ بعد 7 أكتوبر، ويكمن السؤال في مدى انتقال هذه الأولوية إلى موقع أكثر تأثيرًا في تحديد السياسة الأمنية وحقوق السكان.
أما التحول الذي يبرزه هايمان بعد 7 أكتوبر فيتعلق بتوسيع دور المدنيين والمستوطنين ضمن منظومة الدفاع، وربط انتشار القوات العسكرية بحماية المستوطنات والبؤر ومناطق الاحتكاك. ويؤدي هذا التداخل إلى إعادة توزيع المسؤوليات الأمنية بين الجيش والمجتمع الاستيطاني، ويمنح الوجود المدني تأثيرًا مباشرًا في تحديد الانتشار العسكري وأولوياته.
وتبرز هنا مسألة تتجاوز النقاش حول هوية إسرائيل، وتتعلق بأثر هذا التصور في حياة الفلسطينيين. فاعتماد مناطق دفاعية مفتوحة وتوسيع الاستيطان ورفض الفصل السياسي والجغرافي يعيد تنظيم العلاقة بين السيطرة العسكرية والسيادة على الأرض.
من يقود إعادة تشكيل العقيدة الأمنية؟
تتعلق المسألة التي لا يمنحها هايمان الاهتمام الكافي بالجهة التي تقود التحول؛ فالأهداف الأيديولوجية للحكومة والتقديرات العملياتية للمؤسسة العسكرية والتوجهات التي فرضتها الحرب قد تنتج ممارسات متشابهة، رغم اختلاف دوافعها وغاياتها. ولا يعني التوافق على إنشاء منطقة أمنية أمامية، فمثلًا وجود اتفاق على تحويلها إلى مجال سيطرة دائم، أو إقامة مستوطنات مدنية داخلها.
وتزداد أهمية هذا التمييز عند النظر إلى الدعوة للاستقلال الأمني والاقتصادي عن الولايات المتحدة؛ فرغم حضور هذا التوجه في التصور الذي يعرضه هايمان، يستمر اعتماد إسرائيل على الدعم الأميركي والتعاون العلمي والتكنولوجي الدولي. ويكشف ذلك عن الفارق بين التطلعات السياسية والقدرات الإستراتيجية الفعلية، ويضع حدودًا لإمكان تحويل جميع المبادئ المطروحة إلى سياسة متماسكة.
وتشير هذه التناقضات إلى أن ما يجري قد يمثل صراعًا على تعريف العقيدة الأمنية بقدر ما يمثل تحولًا داخلها؛ فالحرب منحت بعض التوجهات السياسية والأمنية مجالًا أوسع للتطبيق، لكنها لم تلغِ الاختلافات حول أهداف استخدام القوة ومستقبل الأراضي المحتلة، والعلاقة مع الحلفاء والموازنة بين المتطلبات العسكرية والاقتصادية والاجتماعية.
ومن هنا تبرز أهمية ورقة هايمان في فتح النقاش حول العلاقة بين العقيدة الأمنية وهوية الدولة، فيما تكمن محدوديتها في المبالغة بالفصل بين التصور التقليدي والتصور الجديد. ويشير تحليل الاستمرارية التاريخية إلى أن 7 أكتوبر سرّع إعادة ترتيب مكونات قائمة داخل التفكير الأمني الإسرائيلي، وغيّر التوازن بين الاعتبارات العسكرية والأهداف السياسية والأيديولوجية.
أما المسألة الحاسمة فتتعلق بمدى قدرة المؤسسة السياسية على تحويل هذه الترتيبات إلى مبادئ مؤسسية دائمة، وبمدى استعداد المؤسسة العسكرية لتبنيها أو تقييدها. وبهذا يصبح مستقبل العقيدة الأمنية مرتبطًا بالصراع على تحديد وظيفة القوة وحدودها، والعلاقة بين الجيش والاستيطان والسلطة السياسية، وما يترتب عليها من آثار في وضع الفلسطينيين والنظام الإقليمي.
تابع قناتنا على واتساب