2026/11/05Last News | آخر الأخبار على مدار الساعة18° حيفا
Last News | آخر الأخبار — Last News
عربي ودولي

لن نُسهّل للفاشيين مهمتهم...

لن يحلّ الكنيست قضية فلسطين، ولن تتحول الحكومة التي قد تخلِف نتنياهو بمجرد رحيله إلى حكومة سلام ومساواة وانسحاب من المناطق المحتلة وتفكيك المستوطنات. لا أحد يوهم الناس بهذا كي يذهبوا إلى التصويت. لكن هل يجب أن تكون ورقة الاقتراع قادرة على تحقيق جميع حقوقنا وما

لن نُسهّل للفاشيين مهمتهم...
لن يحلّ الكنيست قضية فلسطين، ولن تتحول الحكومة التي قد تخلِف نتنياهو بمجرد رحيله إلى حكومة سلام ومساواة وانسحاب من المناطق المحتلة وتفكيك المستوطنات. لا أحد يوهم الناس بهذا كي يذهبوا إلى التصويت.
لكن هل يجب أن تكون ورقة الاقتراع قادرة على تحقيق جميع حقوقنا وما يسمى الشرعية الدولية حتى يكون لاستعمالها معنى؟
المشاركة في الانتخابات لا تحتاج إلى وعد بالخلاص. يكفي أن تكون هناك فرصة لتخفيف بعض المعاناة، أو عرقلة إجراء عنصري آخر، أو الحد من قدرة الفاشيين على فرض أجندتهم.
من يستطيع أن يخفف الخوف عن أسرة وعن سائق حافلة، أو يساعد في محاسبة معتدٍ، لا يملك ترف التنازل عن هذه الإمكانية لأنها لا تحقق العدالة كاملة.
ما يجري أمام أعين العالم هذه الأيام في الضفة الغربية يجعل هذا النقاش أكثر إلحاحًا. الاعتداء على الفلاحين، ونهب المحاصيل الزراعية، واقتلاع الأشجار، إضافة إلى القتل والهدم، هي سياسة تُصنع في الحكومة وتُسنّ لها القوانين وتُخصص لها الموارد.
لا يستطيع نائب في الكنيست أن يحمي كل فلاح وسائق حافلة، لكن تركيبة الحكومة، وهوية الوزراء، وحجم القوة التي يملكها دعاة التصعيد والترحيل المعلن، أمور تؤثر في حياة الناس اليومية، ومن الخطأ تحويل محدودية التأثير إلى حجة للتخلي عنه.
فقد تكون الأداة محدودة، بينما يكون الضرر الذي نريد الحد منه بالغًا، ويصح أن نقول لدعاة المقاطعة من رجال الدين المحترمين إن القاعدة الفقهية تقول إن "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح"، وهم يدركون هذا، ولكن لسبب ما يصرّون على موقف المقاطعة ويروّجون له.
الخشية من التهجير ليست خيالًا منفصلًا عن تجارب الشعوب. في ميانمار سبقت كارثة الروهينغا سنوات طويلة من الاضطهاد والإقصاء، وفي آب/أغسطس 2017، بعد هجمات على مواقع للشرطة، شنّ الجيش حملة شملت قتل المدنيين وإحراق القرى، ودُفع أكثر من 700 ألف إنسان من المسلمين إلى الفرار للنجاة بأرواحهم نحو بنغلادش. تبدو هذه التجربة مختلفة عن واقعنا، لكن الواقع خطير جدًا. المحاضر الجامعي الذي كُشف أمره قبل أيام خطط لمجازر هدفها التهجير، وهو ليس وحيدًا في تفكيره هذا، وفكرة استغلال فوضى في المنطقة للتهجير ما زالت قائمة ولم تتوقف عند مجزرة كفر قاسم عام 1956.
لسنا بحاجة إلى انتظار اكتمال الكارثة كي نستعمل ما نملكه من وسائل لمنعها أو تخفيفها. مشاركتنا في الانتخابات إحدى هذه الوسائل، إلى جانب التنظيم الشعبي والحصانة المجتمعية والعمل الحقوقي والإعلامي المحلي والدولي والتضامن بين جميع الشرائح المتعرضة للظلم وإيجاد ما هو مشترك بين المناوئين للفاشية، هذا واجب الضحايا قبل غيرهم.
أما القول إن الحكومة المطروحة كبديل لن تكون حكومة حمائم سلام، وضرب أمثلة على العقيد فلان والجنرال علان، فهذا ليس اكتشافًا جديدًا، ولا يكفي لحسم نقاش جدّي يهدف إلى دفع الأذى المتفاقم عن الناس.
علينا أيضًا أن نسأل عن كلفة استمرار الحكومة الحالية أو حلول ما هو أسوأ منها. لا يلزم أن نمنح البديل شهادة حسن سلوك وحمامة سلام كي نعمل على إسقاط من هو أشد خطرًا وتطرفًا.
هذا ليس تفويضًا مفتوحًا لأي ائتلاف، ولا دعوة إلى التنازل عن الحقوق الأساسية مقابل تبديل أسماء الوزراء. ولكنه تقييم للخيارات المتاحة، ولما يمكن انتزاعه منها. من حق الناخب أن يطالب ممثليه بالشفافية وتفسير قراراتهم، ووضع شروط واضحة لأي تعاون، وخطوط حمراء، فنحن لا يمكن أن نكون جزءًا من ماكينة الاحتلال وجرائمه مهما كانت التكلفة، ولا يمكن أن نتنازل عن هويتنا العربية، وعن كوننا جزءًا من الشعب الفلسطيني، ولا عن حقوقنا كمواطنين في الدولة، وفي الوقت ذاته نرفض تحويل قوتنا الانتخابية إلى مقاعد بلا أثر في حياة الناس.
تظهر الحاجة إلى هذا الأثر في تفاصيل الحياة اليومية. عمال يريدون الوصول إلى أعمالهم بأمان، سائقو حافلات يريدون إنهاء يومهم دون إهانات أو اعتداءات، أسر تخشى على أبنائها من فضاء عام بات يرى في العربي خطرًا فوريًا، ومن كلمة عربية في قطار أو حافلة صارت سببًا مشروعًا للعدوان، ومن عصابات الإجرام التي حولت حياة الناس إلى جحيم بتواطؤ سلطوي.
لا ندّعي أن التصويت سيوقف كل الموبقات، لكن يصح أن نسعى بواسطته إلى تقوية من يطالبون بمحاسبة المعتدين، وإضعاف من يمنحون التحريض غطاءً سياسيًا، خصوصًا أنها حكومة يقودها مطلوب للعدالة الدولية.
ليس من السياسة ولا الحكمة في شيء أن نضع جميع الأحزاب والإعلام، من صحف وقنوات ومواقع، في بطاقة واحدة تحت تسمية "عنصرية وعداء للعرب". هنالك فوارق لا تبدو كبيرة، ولكنها على أرض الواقع تعني الكثير لملايين من البشر.
العبرة التي نحتاجها هي البحث عن القاسم المشترك بين أكبر عدد ممكن من القوى المناهضة للفاشية، خصوصًا في الظروف الإقليمية والدولية المضطربة، الواقفة على كف عفريت.
لا يشترط التعاون أن تختفي الخلافات، لكنه يتطلب إدراك أن حماية الناس ووقف المزيد من الانحدار إلى ما هو أفظع، أولويات تستحق تعاونًا عمليًا، وحين تنشغل القوى التي تمثل الضحايا باستنزاف بعضها، فإنها تسهّل مهمة الفاشية، مهما كانت نواياها.
لا تكفي مطالبة الناس بالمشاركة، ثم تقديم مشهد من الخصومات والتشهير. المطلوب تعاون واضح، وبرنامج يستطيع الناخب فيه أن يرى صلته بأمنه وعمله وكرامته، والتزام بأن يكون الدفاع عن الناس هو البوصلة التي توجه أي عمل.
قد نصوّت ونحن غاضبون، ونحن نعرف حدود الكنيست وحدود البدائل، لكن لا تناقض في ذلك. فالمشاركة لا تعني الرضا عن من يطرحون أنفسهم كبدائل لنتنياهو وعصابته، لكنها تعني استعمال أداة يحاول الفاشيون نزعها منا من خلال التحريض على ممثلينا واعتبارهم غير شرعيين، بل وعلى مجرد مشاركتنا في الانتخاب. هنالك أصوات كثيرة، ومن "المعارضة" بالذات، تتحدث عن السماح بالتصويت فقط لمن يقدمون الخدمة الوطنية، وهذا القانون يمكن توقّعه خلال عقد أو عقدين، وبعده سوف نستريح من مؤونة الذهاب إلى صناديق الاقتراع في الكنيست.
قضية فلسطين لن تجد حلها في صندوق اقتراع إسرائيلي. لكن قد تتاح عبره إمكانية لتخفيف الأذى عن طفل وأسرة وموسم زيتون، أو لعرقلة قرار فاشي، أو تقليص قوّة من يدفعون نحو التصعيد في كل اتجاه ويتوعدون بمزيد من الحروب وعلى مختلف الجبهات. وإذا كانت هذه الورقة لا تزال تتيح قدرًا من التأثير، فلماذا نتنازل عنها طوعًا؟ ولماذا نكافئ الفاشيين بتسهيل المهمة لهم؟ قد نصوّت وقد نوصل عددًا كبيرًا من النواب الذين يمثلوننا، ورغم ذلك قد لا يتمكنون من منع تشكيل حكومة أكثر فاشية من الحالية، ولن يضمنوا شكل الائتلاف القادم! ولكن نكون قد قمنا بواجبنا بأضعف الإيمان، ولن نتيح لأحد، لا من الداخل ولا من الخارج، الادعاء بأنه كان بإمكان العرب منع تشكيل الحكومة الأكثر فاشية، ولكنهم لم يفعلوا وبقوا في بيوتهم.
تابع قناتنا على واتساب