2026/11/05Last News | آخر الأخبار على مدار الساعة19° حيفا
Last News | آخر الأخبار — Last News
عربي ودولي

فكّ السحر: أن تزول حظوة إسرائيل

مُقدّمة المُترجم: بانكاج ميشرا (Pankaj Mishra) كاتبٌ ومُفكّرٌ هنديٌّ وُلد عام 1969، عُرف بكتاباته الفكرية والسياسية التي تُفكّك الزيف الليبرالي الغربي وتُعيد تأريخ الحداثة من منظورٍ غير أوروبي، ومن أبرز أعماله كتابه عصر الغضب (Age of Anger: A History of the Pr

فكّ السحر: أن تزول حظوة إسرائيل
مُقدّمة المُترجم:
بانكاج ميشرا (Pankaj Mishra) كاتبٌ ومُفكّرٌ هنديٌّ وُلد عام 1969، عُرف بكتاباته الفكرية والسياسية التي تُفكّك الزيف الليبرالي الغربي وتُعيد تأريخ الحداثة من منظورٍ غير أوروبي، ومن أبرز أعماله كتابه عصر الغضب (Age of Anger: A History of the Present). يُفكّك ميشرا في هذا المقال بعنايةٍ فائقة الآلية النفسية والأيديولوجية التي جعلت الغرب يُغطّي، لعقودٍ، جرائم إسرائيل باسم «الذنب الحضاري» تجاه المحرقة، ويُحمِّل النخب الغربية، لا الفلسطينيين، عبء تفسير اللحظة الراهنة.
غير أنَّ المقال، بقدر نفاذ بصيرته، يبقى أسيرَ زاويته: فهو يُعالج «فكّ السحر» الغربي عن إسرائيل بصفته أزمة ضميرٍ ونفسٍ عند النخب الأوروبية والأميركية، لا بصفته محصّلة نضالٍ فلسطينيٍّ طويلٍ ومستمر لم ينتظر يومًا رضا الغرب أو انتباهه. فالفلسطينيون، في هذا السرد، حاضرون كضحايا يستدعون التعاطف الغربي المتأخر، لا كفاعلين سياسيين لهم تاريخهم الخاص في المقاومة والصمود. كما أنَّ المقال، وهو يُفصِّل بدقةٍ الأُسس الأيديولوجية للدعم الغربي لإسرائيل، يُقلّل من وزن الحساب الأكثر فجاجةً: تدفُّق السلاح والتمويل الأميركي والأوروبي المباشر الذي يُغذّي آلة الحرب الإسرائيلية ماديًّا، لا رمزيًّا فحسب.
ومع ذلك، يبقى المقال شهادةً لافتة على تصدُّع الرواية الصهيونية داخل قلب الغرب نفسه، وقد حرصنا على نقل حِدّة لغته وجرأة أطروحاته كما وردت، إذ لا حاجة لتخفيف ما كتبه ميشرا بل لإضاءته بالحواشي والسياق التاريخي اللازمين للقارئ العربي.
المقال:
أخيرًا، أخذت حقيقةُ سلوك إسرائيل تلحقُ بها. كان من الأسهل، إلى عهدٍ قريب، تجاهلُ تدمير المجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزّة، أو حتى دعمه، وتجاهلُ قصف دولٍ عديدة، واغتيال قادة أجانب، وسرقة أراضٍ لبنانية وسورية. فالقتلُ، المُتعمَّد غالبًا، لأكثر من عشرين ألف طفلٍ في قطاع غزّة جرح الضمائر لا الجيوب، وكان من الممكن ضبط هذه الضمائر ببعض الشجب الطقسي لبنيامين نتنياهو أو لزملائه المتغطرسين في تعصّبهم. لكنَّ العدوان على إيران هو ما كشفَ، أمام المجتمع الأوسع، عن انحرافٍ غريبٍ في المجتمع الدولي: عددٌ متصاعدٌ بسرعةٍ من المواطنين في أوروبا وأميركا الشمالية بات يتعجّب الآن من صكّ الاعتماد الذي مَنحَته نخبُهم لإسرائيل.
واستندَ هذا الصكّ إلى قمعٍ منهجيٍّ للحقائق بقدر ما استندَ إلى جهلٍ عامٍّ بشؤون الشرق الأوسط. فقد قُدِّمت إسرائيل في الخطاب السائد غير العربي بصفتها الديمقراطية الوحيدة في المنطقة، مُتوَّجةً بلقب صاحبة «الجيش الأكثر أخلاقيةً» في العالم. وكان الخروجُ عن هذا الإجماع يستدعي النبذ: فلا «إقصاءٌ"» في الغرب كان بهذه القسوة والسرعة مثل ذلك الذي تُحرّكه تُهمٌ كاذبة بمعاداة السامية، وهي تهمةٌ أُعيد تعريفها لتشمل أيَّ نقدٍ لنزعة إسرائيل العرقية القومية الحربية. لكنَّ الحرب الطائشة كارثيًّا على إيران هي التي كسرت التعويذة أخيرًا.
تجلّى هذا الصدعُ الجديد بأشكالٍ متعددة. فبحسب استطلاعٍ أجرته صحيفة نيويورك تايمز (The New York Times)بالتعاون مع كلية سيينا (Siena College)[1]، يتعاطف الأميركيون الآن مع الفلسطينيين أكثر من تعاطفهم مع إسرائيل. وهذا التحوّل الدراماتيكي في الرأي العام شجّع، على نحوٍ مُقلِق، عناصرَ اليمين المتطرّف في أنحاءٍ عديدة من الولايات المتحدة على كشف معاداةٍ حقيقيةٍ وضاريةٍ للسامية كانت مستترة. وفي الوقت ذاته، يُفرز الوعي الجماهيري المتزايد بعُمق الفساد في السياسة الأميركية بعض الاتجاهات الصحية. فالسياسيون، على اختلاف انتماءاتهم الأيديولوجية، يجنَون مكاسب انتخابية جرّاء معارضتهم دعمَ دولةٍ تخوض حروب لا منتهية، وهو أمرٌ لم يَغِب عن جي. دي. فانس (J. D. Vance)، الانتهازي الدائم، الذي، وهو يُراقب انتخابات 2028، نصحَ إسرائيل علنًا: «لا يمكنكم أن تخرجوا من كل مشكلةٍ أمنية قوميةٍ تواجهونها عبر القتل». وفي قطيعةٍ مذهلةٍ عن سابقيه، كرّر عُمدة نيويورك[2] اتهامَ إسرائيل بارتكاب الإبادة الجماعية، ومع ذلك نال رضًا أكبر من اليهود الأميركيين مما ناله نتنياهو. وفي ميشيغان، هزمَ عبد الرحمن (عبدول) السيّد (Abdul El-Sayed)، الذي خاض حملته الانتخابية على وعدٍ بإنهاء المساعدات العسكرية غير المشروطة لإسرائيل، النائبةَ هيلي ستيفنز (Haley Stevens)، المؤيِّدة للمساعدات غير المشروطة.
وتتسارع، على نطاقٍ أوسع، عمليات إعادة تقييم إسرائيل بين حلفائها التقليديين خارج الولايات المتحدة. فقد انضمت إيطاليا إلى إندونيسيا وباكستان في التنديد بوزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتامار بن غفير (Itamar Ben-Gvir)، بعد أن نشر مقطع فيديو يُصوّر نفسه وهو يتهكّم على نشطاء مُناصرين لفلسطين مُقيَّدين بأصفادٍ بلاستيكية وراكعين. وقد اختار آندي بيرنهام (Andy Burnham)[3]، قبل أن يصبح رئيس وزراء بريطانيا الجديد، أن يُقدّم اعتذارًا علنيًّا في مقطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي عن موقف كير ستارمر (Keir Starmer) من قطاع غزّة، الذي شملَ تأييدَ الوسائل الإسرائيلية المستخدمة في خنق قطاع غزة مثل قطع الماء والكهرباء عنها. أما المتسلّقون على الموجة، كالإمارات العربية المتحدة، الموقِّعة على الاتفاقيات الإبراهيمية التي تمنح إسرائيل الاعتراف الدبلوماسي، فقد لجأوا، بحسب ما تردد، إلى رشوة إيران بعد فشلهم في تعطيلها. غير أنَّ التحوّلات الأعمق التي أحدثها هذا الفضح العالمي لإسرائيل ما تزال لا تُسجَّل إلا بخفوت.
لا تقلُّ إسرائيل عن روسيا الثورية والصين، أو عن غيرها من الدول ذات المشاريع المِثالية (اليوتوبية)، في ادّعائها منذ زمنٍ طويل امتلاكها نظامًا أخلاقيًا خاصًّا بها، وهو النظام الأخلاقي الأرقى لمن يخوضون مسعًى نبيلًا، بينما تقتل شعوبًا مستضعفةً وتُجرّدها من أرضها. وحَشدَت السياسة الصهيونية، أكثر من غيرها من القوميات العابرة للقوميات (الإيرلندية، الهندوسية، الأرمنية، التبتية)، مُناصرين مؤثّرين في أوروبا والولايات المتحدة منذ السبعينيات فصاعدًا، وهذا ما يُتيح لنتنياهو أن يُقدِّم إسرائيل، بكل ثقة، في طليعة موقف الحضارة الغربية في مواجهة «البرابرة». وقد كانت إسرائيل في الأصل ملجأً لأقليةٍ مُطارَدة داخل الغرب، لكنّها تحوّلت تدريجيًّا، عبر سلسلةٍ من المناورات، إلى عنصرٍ حاسمٍ في تقدير النخب الغربية لذاتها. وتميل التفسيرات التقليدية لتأثير إسرائيل غير المتناسب مع حجمها إلى التركيز على ابتزاز جماعات الضغط (اللوبي) في عالمَي الأعمال والسياسة والإعلام. غير أنَّ هناك تفسيرًا أكثر تاريخيةً وكشفًا، يُعيد ذلك إلى إعادة التشكيل المتسرِّعة للصورة الذاتية الغربية انطلاقًا من نقطة الصفر عام 1945.
تمثّلت الهتلرية، كما أشارت سيمون فايل (Simone Weil)[4] عام 1943، في «تطبيق ألمانيا على القارة الأوروبية، وعلى العِرق الأبيض عمومًا، أساليبَ الغزو والسيطرة الاستعمارية». وكان جورج أورويل قد شهد من تلك الأساليب في آسيا ما يكفي لِيتساءل، حتى عام 1940، عمّا إذا كان ينبغي له أن يدعم الإمبراطورية البريطانية في مواجهة خصمها النازي. وقد لاحظ أحد وزراء ونستون تشرشل نفسه، عام 1944، نزعاتِه الهتلرية الإبادية بعد أن ساعدَ في إلحاق مجاعةٍ بالهند الخاضعة للحكم البريطاني. ومن المؤكّد أنَّ ألبير كامو لم يكن مُبالِغًا حين أشار عام 1946 إلى الهتلرية بصفتها سُمًّا غربيًّا حديثًا نجا من الحرب. ولم يختفِ احتقار الأقلية اليهودية في البلدان التي تعاون فيها الناس فعليًّا مع النازيين (فقد وقعت مذابح ضد اليهود في بولندا حتى عام 1946) وحتى مُحرِّرا أوروبا، بريطانيا والولايات المتحدة، أبقيا على حواجزَ عاليةٍ تحدُّ من دخول الناجين اليهود من المحرقة. أما إحراقُ اليابان بالسلاح النووي، الذي سبقه، في مجلة النيويوركر (The New Yorker) وصحيفة نيويورك تايمز (The New York Times)، تصويرُ اليابانيين بصفتهم قرودًا، وتَلاه حروبُ مكافحة التمرد الوحشية في المستعمرات البريطانية والفرنسية، فقد أكّد استمرارَ عقليات التفوّق الأبيض بين دول الحلفاء.
ومع ذلك، فإنَّ اندلاع حربٍ جديدة، وُصفت بـ «الباردة» لكنّها كانت حارّةً بلا شك، من كوريا إلى أفغانستان، ضد الاتحاد السوفييتي، تطلّب تصوُّرًا ذاتيًّا أكثر استرضاءً للنفس. وقد غدت فكرةُ أنَّ «العالم الحر» مُكرهٌ على دخولِ معركةٍ ضروريةٍ ضد الشمولية (النازية أولًا، ثم السوفييتية، والبعثية، والإسلامية في الآونة الأخيرة) الإطارَ التحليلي الأساسي لأجيالٍ متتالية من البيض المتعلمين في أميركا الشمالية وأوروبا. وأصبحت الحرب العالمية الثانية نفسها تُنظر إليها بصفتها معركةَ الديمقراطية الوجودية ضد الطغيان، على الرغم من أنَّ هتلر استلهم أفكاره من علماء تحسين النسل الأميركيين (Eugenics)، وتنافس بحسدٍ مع الإمبرياليين البريطانيين، وعلى الرغم من أنَّ أكثر الانتصارات الحاسمة ضد الشموليين النازيين حقّقها السوفييت.
فإسرائيل، الدولة التي أسّسها إلى حدٍّ كبير اشتراكيون واضحون، وسلّحها ستالين في البداية، لم تكن تُناسب تمامًا المُتخيَّل الذي رسمه «العالم الحر» لنفسه بعد الحرب. بل إنَّ الدولة اليهودية الجديدة زادت الأمر تعقيدًا بمشاركتها، عام 1956، في مُغامرةٍ إمبرياليةٍ عتيقةِ الطراز، محاولةِ بريطانيا وفرنسا سرقةَ قناة السويس من مصر. ولم يُساعد وجودُ عددٍ كبيرٍ من اليهود ذوي البشرة الداكنة من البلدان العربية في تعزيز انتمائها إلى الغرب: فحين غطّت حنة أرندت (Hannah Arendt) محاكمةَ أدولف أيخمان عام 1961، وصفت الحشودَ اليهودية المُنتظِرة خارج المحكمة في القدس بأنها «حشدٌ شرقي» (Oriental Mob). وقد أثار انتصارُ إسرائيل السريع في حرب الأيام الستة عام 1967 حماسةَ كثيرٍ من اليهود الأميركيين الذين كانوا ينظرون سابقًا بعين الشك إلى ما يُفترض أنه وطن اليهودية العالمية. غير أنَّ ذلك الانتصار دفع الرئيسَ الفرنسي شارل ديغول إلى وصف اليهود بأنهم «شعبٌ مُتميِّزٌ واثقٌ من نفسه ومُتسلِّط».
وكانت آراءُ ديغول علامةً، نادرًا ما جرى تحديدها قبل السبعينيات، على أنَّ التحيُّز السائد كان قد جعل فرنسا، لا ألمانيا، البيئةَ الأكثر احتمالًا للإبادة الجماعية لليهود. ودليلٌ آخر على ذلك أنَّ «المحرقة» (Shoah)[5]، لم تنل اهتمامًا مُستمرًّا في فرنسا طوال عقودٍ بعد تحرير معسكرات الموت عام 1945، وهو التحرير الذي أنجزه الجيش الأحمر السوفييتي في معظمه. ولم تُصبح المواجهة مع هذا الواقع، وتجديد الهويات الوطنية والحضارية، أمرًا لا مفرَّ منه إلا بعد أن كشف المؤرخ الأميركي روبرت باكستون (Robert O. Paxton)[6]، في مطلع السبعينيات، مدى تعاون فرنسا مع النازية، تَلَتهُ سلسلةٌ من محاكمات مجرمي نظام ڤيشي. وقد ساعدَ الاتحادُ السوفييتي، عن غير قصد، في تسريع إعادة التسويق العاجلة لهذه الصورة، حين أصبح اضطهادُه لليهود قضيةً مُثيرةً للجدل في العالم الحر فجأة. فأعلن الداعمون، باسم اليهود السوفييت المنشقّين، عن تفوّق قيمهم، مُحوِّلين حقوقَ الإنسان، كما أوضح صامويل موين (Samuel Moyn)[7] في كتابه اليوتوبيا الأخيرة (The Last Utopia) من مطلبٍ وُلد بين المُستضعَفين إلى سلاحٍ يُشهره الأقوياء.
وفي عملية إعادة تلميعٍ أيديولوجيةٍ بارعةٍ أخرى، أصبح إحياءُ ذكرى المحرقة بنُدمٍ استعراضي، منذ الثمانينيات فصاعدًا، عنصرًا محوريًّا في الهوية الجماعية لمن ساهموا فيها بحماسٍ: وهي ظاهرةٌ تتجلّى بأوضح صورها في ألمانيا، حيث أصبح كورت غيورغ كيزنغر (Kurt Georg Kiesinger)[8]، نازيٌّ سابق، مستشارًا لألمانيا الغربية في منتصف الستينيات، والتي، بعد إعادة التوحيد، بدأت تخلط، بمعاداةٍ ساذجة للسامية، بين اليهود في العالم وإسرائيل، مُحوِّلةً حمايةَ إسرائيل إلى «مصلحة عليا للدولة» (Staatsräson)[9]. وخرجت دول أوروبا الشرقية، المسارح الرئيسية للمحرقة، من الحكم الشيوعي في التسعينيات لتجد أنَّ الإقرار الحزين المناسب بمجازرها ضد اليهود كان هو «تذكرة الدخول» إلى مجتمع جيرانها الأوروبيين الغربيين الموسِرين، كما أشار توني جودت (Tony Judt)[10] في كتابه ما بعد الحرب (Postwar). وكتب جودت أنَّ أوروبا الجديدة «ألزمت نفسها بمسؤولية التأكّد من أنَّ الانتباه يُعطى» للفظائع التي ارتُكبت ضد اليهود، وأن «تُعرِّف 'الأوروبيين' بصفتهم مَن يُعطون هذا الانتباه فعلًا».
وكانت هناك دومًا مخاطرٌ في ذلك «الحضور التعويضي الشامل»، كما وصفه جودت، «الذي بات الأوروبيون بموجبه يُقِرّون بفقدان يهودهم ويُدرِّسونه ويُخلِّدون ذكراه»، ويجعلون من إحياء ذكرى جرائمهم «التعريفَ والضمانةَ الحقيقية لاستعادة القارة إنسانيَّتها». فلم يكن يُطلَب، على سبيل المثال، أيُّ قدرٍ من الانتباه الأخلاقي الاستعراضي تجاه الجرائم العديدة التي ارتكبها الأوروبيون ضد شعوبٍ أخرى: ملايين الكونغوليين الذين قتلهم وشوّههم الإمبرياليون البلجيكيون؛ وعشرات الملايين الذين ابتلعتهم المجاعات الفيكتورية المتأخرة، أو إذا شئنا، نحو سبعةٍ وعشرين مليونَ قتيلٍ جراء الغزو النازي للاتحاد السوفييتي. وقد تراجعت هذه الفظائع عن مخيّلة الجمهور الغربي، التي سيطرت عليها فظائعُ «المحرقة» و«الغولاغ» المتشابكة. أما الضحايا الكثيرون للإمبريالية الغربية الإبادية في آسيا وأفريقيا، فقد قيل لهم أن يتوقفوا عن إلقاء اللوم على أحداث الماضي في محنتهم، وأن يتحمّلوا مسؤولية إخفاقاتهم في الحاضر. وفي الوقت ذاته، تصدّرت إسرائيل، التي زعمت أنها الضمانة الأساسية ضد جرائم الفناء المستقبلية، روحَ الحرب البادرة بتوقيتٍ مثاليٍّ، فأصبحت المستفيدَ الأول من الصُّوَر الذاتية الغربية المُجدَّدة.
وفي الوقت نفسه تقريبًا، ساعدت سياساتُ الهوية المحتدمة في الولايات المتحدة، التي حوّلت الضحويةَ التاريخية إلى شعارٍ للفضيلة الأخلاقية، على أمْرَكةِ المحرقة وعلى وضع إسرائيل نفسها فوق مستوى المساءلة. وبالنسبة إلى كثيرٍ من اليهود الأميركيين الذين ازداد هوسهم بالمحرقة، كان هناك «ارتعاشٌ خاص»، كما وصفه روبرت ألتر (Robert Alter)[11]، «من تجربة ما لا يُوصَف بالوكالة، في كل ما تمنحه حياتنا الأميركية من رخاءٍ مادي وأمان».
وحدث أن تولّت إسرائيل عضويتها الفخرية في العالم الحر في اللحظة ذاتها التي كانت تتبختر فيها على طريق «البن-غفيرية» (نسبةً إلى إيتامار بن غفير). وكان سول بيلو (Saul Bellow)[12] واحدًا من الأميركيين المتأخرين المُفرِطين في التعويض عن تأخّرهم تجاه المحرقة والصهيونية؛ ومع ذلك، حذّر في رسالةٍ خاصة عام 1978 من أنَّ إسرائيل تدفع نفسها نحو «درجةٍ خطيرةٍ من التعصّب». أما ألفرد كازين (Alfred Kazin)[13]، الذي كان يُندِّد باستمرارٍ في يومياته بـ «تصاعد وحشية الإسرائيليين» وتزايد افتتان اليهود الأميركيين بإسرائيل، فقد خلص عام 1988 إلى أنه «لن يكون هناك سلامٌ مع إسرائيل أبدًا»: «لقد كنتُ أشكُّ دائمًا في أنَّ صراعاتٍ لا تنتهي ستقوم بين إسرائيل والعالم الإسلامي، وأعمق شكوكي أنَّ الحرب العالمية الثالثة قد تنطلق من هناك بالفعل».
وفي العقود الأربعة التالية، نالت دولةٌ عنصريةٌ إمبرياليةٌ حائزةٌ على أسلحةٍ نووية، ويتعمّق تقاربُها مع القوميين البيض الفاشيين الجدد في الغرب، تقديرًا أوسع وأعمق مما عرفته أيُّ أنظمةٍ شيوعية قطّ بين السياسيين والمثقفين الغربيين. ولم يكن إزايا برلين (Isaiah Berlin)[14] حالةً شاذّة في اعترافه لسوزان سونتاغ (Susan Sontag)[15] بأنه يضبط نفسه يُفكّر في إسرائيل بوسواسٍ وحنانٍ كما كان الشيوعيون يُفكّرون في الاتحاد السوفييتي. ولم يكن هذا الحكيم الأنجلو-أميركي شاذًّا أيضًا في استثنائه الصهيونيةَ من تحليله مدى حياته لأمراض القومية والسلطوية. وتحمل أعمالُ مثقفين عموميين غربيين بارزين، من يورغن هابرماس (Jürgen Habermas) إلى مايكل والتزر (Michael Walzer)، ومن تيموثي سنايدر (Timothy Snyder) إلى فرانسيس فوكوياما (Francis Fukuyama) نفس هذا التغاضي. وكانت هذه «خيانةً واسعةً للمثقفين» (trahison des clercs)[16]، شارك فيها رافعو راية الليبرالية الغربية إلى جانب أدواتِ روبرت مردوخ (Rupert Murdoch)، هي ما صاغ الواقعَ البديل لدولةٍ قائمةٍ على الفصل العنصري (أبارتايد). ويمكن قياس نجاح هذه الديمقراطية البوتمكينية (Potemkin democracy)[17]بمقدار السخط الذي يستفيق عليه كثيرٌ من الناس اليوم، إزاء الدعم غير المشروط الذي قدّمته النخبة الغربية لمجتمعٍ تجتاحه نزواتٌ إبادية.
بطبيعة الحال، كانت الفكرةُ التأسيسية لإسرائيل، أنَّ الإسرائيليين اليهود ينبغي أن يملكوا حقوقًا أكبر من الفلسطينيين، «وحشية» دائمًا، كما وصفتها ناتاليا غينزبرغ (Natalia Ginzburg)[18]. فلا قَدْرَ من المعاناة الماضية يمكن أن يُبرِّر سياسةَ العنف المنظَّم والظلم التي تنتهجها في الأراضي المحتلة. كما أنَّ الدعوى الضمنية التي يتبنّاها المدافعون عن إسرائيل، بأنَّ الضحوية تمنح فضيلةً دائمة، لم تكن منطقيةً قط. فالناجون من المذابح خلال الحرب الأهلية الروسية (1917-1921)[19] تحوّلوا بسرعةٍ إلى أجهزة تنفيذٍ للنظام البلشفي، يُشرفون على مجازرَ واسعة، ومجاعاتٍ جماعية، وعملٍ قسري. وكتب فيديادر سوراجبراساد نيبول (V. S. Naipaul)[20] مرةً، في خاتمةٍ غيرِ عاطفيةٍ لعصر التطرّفات: «اكرَهِ القهر، واحذَرِ المقهورين»، وهي عبارةٌ أوضحت مرارًا أنَّ لا جماعةَ من البشر، من أوكرانيا إلى إندونيسيا، مُحصَّنةٌ من فساد السلطة والأيديولوجيا. وقد أثبتت الصهيونية أنها ليست استثناءً من القاعدة الكئيبة القائلة بأنَّ المثالية السياسية المولودة من معاناةٍ قصوى تحمل في داخلها بذرةَ انحرافها وتحلُّلها، وأنَّ ضحايا النكبات التاريخية، مدفوعين بالخوف والحقد الانتقامي، يمكن أن يتحوّلوا بسرعةٍ فائقة إلى جلّادين.
وفي الحزب الديمقراطي وسائر التشكيلات السياسية الغربية المُناصِرة لإسرائيل، يمكننا أيضًا أن نرى ما قصدته غينزبرغ حين قالت إنَّ فكرةً وحشيةً «تنمو وتتكاثر مع أفضل نزواتنا وتعطُّشنا إلى العدل والمساواة»، لتُحوِّلهما في النهاية إلى «كومةٍ من القش المُبتلّ». ولا شكَّ أنَّ الإدراك المتزايد بأنَّ الولاء المطلق لإسرائيل قد فظَّ العقولَ والنفوس سيُواجَه بمقاومة. فالكثير معرَّضٌ اليوم للخطر في نظر أنصار هذه الدولة: طريقةٌ كاملةٌ غيرُ مُمتحَنةٍ في تدليل الذات، وفي التفكير والشعور حيال الذات والآخرين، وفي التصرّف بلا رحمةٍ ومن دون أن يطالَهم حساب. وأخيرًا، وهم يفشلون، أصبح ابتزازُهم الأخلاقي هستيريًّا بالفعل، وأسئلةُ «حق الوجود» الفخّية لإسرائيل أكثرَ هياجًا، وتُهمُ معاداة السامية متزايدةَ الهذيان. ويُشير التوحُّشُ المُموَّل من الشركات في الجامعات، والتحوُّلُ الأخرق لمحطتَي سي بي إس (CBS) وسي إن إن (CNN) إلى أشبه بـ «براڤدا» (Pravda)[21]، إلى أنَّ التعتيم على الحقائق الجوهرية بشأن إسرائيل لا يمكن أن يُفرَض بعد الآن بوسائل أكثر دهاءً. لكنَّ محصّلة هذا الدعم المُنظَّم بإفراطٍ لمجتمعٍ ملتزمٍ بحربٍ ودمارٍ لا ينتهيان، باتت الآن جليّةً بوضوحٍ فائق في جوانب كثيرة من الحياة الغربية، من قيادةٍ مُخترَقةٍ في الوسط السياسي، وتعبئةٍ خبيثةٍ لكراهية اليهود من اليمين المتطرّف، إلى عشرات الجامعات التي أوهنتها تُهمُ معاداة السامية، والمؤسسات الصحفية التي أفسدتها اختلاقاتُها وتعابيرُها المُلطِّفة بشأن الإبادة الجماعية. وقد توصّل عددٌ متزايدٌ من الناس، وهم مُنهَكون روحيًّا من طول تعرُّضهم لهذه الفظائع، ومُطارَدون بشبح تواطئهم المحتمل فيها، إلى نتيجةٍ واحدة: أنَّ التعريفَ الحقيقي والضمانةَ الفعلية لاستعادة إنسانيّتهم يكمنان في التبرُّؤ الحاسم من أفعال إسرائيل الوحشية.
إحالات:
[1] استطلاعٌ دوري مشترك بين صحيفة نيويورك تايمز الأميركية وكلية سيينا للرأي العام، يُعدّ من أكثر استطلاعات الرأي الأميركية موثوقيةً في تتبُّع تحوّلات الرأي العام الأميركي تجاه قضايا السياسة الخارجية، ومنها الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. (المُترجم).
[2] يقصد الكاتب ظهران ممداني (‎Zohran Mamdani‎)، الذي انتُخب عمدةً لمدينة نيويورك في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025 وأصبح أول مسلمٍ يتولّى هذا المنصب، وهو معروفٌ بمواقفه الحادة من الحرب على قطاع غزّة، إذ وصف الحربَ الإسرائيلية بأنها «حربٌ إبادية» وطالب بمحاسبة نتنياهو. (المُترجم).
[3] آندي بيرنهام (‎Andy Burnham‎)، سياسي بريطاني من حزب العمال، تولّى رئاسة الوزراء البريطانية في تموز/ يوليو 2026 خلفًا لكير ستارمر، بعد أن أبدى مواقفَ أكثر انتقادًا لإسرائيل من سلفه. (المُترجم).
[4] سيمون فايل (‎Simone Weil, 1909-1943‎)، فيلسوفة وناشطة فرنسية. (المُترجم).
[5] المحرقة (شؤاه)، مصطلحٌ عبري يعني «الكارثة/النكبة»، ويُستخدم للإشارة إلى المحرقة النازية بحق يهود أوروبا. (المُترجم).
[6] روبرت باكستون (‎Robert O. Paxton‎)، مؤرخٌ أميركي اشتُهر بدراساته عن نظام فيشي الفرنسي المتعاون مع النازية. (المُترجم).
[7] صامويل موين (‎Samuel Moyn‎)، مؤرخٌ وأكاديميٌّ أميركي متخصّصٌ في تاريخ حقوق الإنسان، من أبرز أعماله كتاب اليوتوبيا الأخيرة: حقوق الإنسان في التاريخ(‎The Last Utopia: Human Rights in History‎). (المُترجم).
[8] كورت غيورغ كيزنغر (Kurt Georg Kiesinger)، كان عضوًا في الحزب النازي قبل أن يصبح مستشار ألمانيا الغربية (1966-1969). (المُترجم).
[9] «مُقتضى الدولة» أو «مصلحة الدولة العليا»، مفهومٌ ألمانيٌّ استُخدم لتبرير اعتبار حماية إسرائيل مسؤوليةً وجوديةً لألمانيا بعد الحرب. (المُترجم).
[10] توني جودت (Tony Judt)، مؤرخٌ بريطاني، من أبرز أعماله كتاب ما بعد الحرب: تاريخ أوروبا منذ 1945 (‎Postwar: A History of Europe Since 1945‎). (المُترجم).
[11] روبرت ألتر (‎Robert Alter‎)، ناقدٌ وباحثٌ أدبيٌّ أميركي متخصّصٌ في الأدب العبري والكتاب المقدس. (المُترجم).
[12] سول بيلو (‎Saul Bellow‎)، روائيٌّ أميركي حائزٌ على جائزة نوبل في الأدب. (المُترجم).
[13] ألفرد كازين (‎Alfred Kazin‎)، ناقدٌ أدبيٌّ أميركي. (المُترجم).
[14] إزايا برلين (‎Isaiah Berlin‎)، فيلسوفٌ بريطانيٌّ من أصلٍ روسي-يهودي، عُرف بكتاباته عن الحرية والقومية. (المُترجم).
[15] سوزان سونتاغ (‎Susan Sontag‎)، كاتبةٌ وناقدةٌ أميركية. (المُترجم).
[16] خيانة المثقفين (‎trahison des clercs‎)، عبارةٌ فرنسية صاغها المفكر جوليان بِندا (‎Julien Benda‎) عام 1927 للإشارة إلى تنازل المثقفين عن دورهم النقدي المستقل لصالح الانحياز الأيديولوجي أو القومي. (المُترجم).
[17] الديمقراطية البوتمكينية نسبةً إلى قرى بوتمكين (‎Potemkin villages‎)، وهي واجهاتٌ خادعةٌ أُقيمت زعمًا في روسيا القيصرية لإخفاء الواقع الفعلي، وتُستخدم اليوم للإشارة إلى أي مظهرٍ زائفٍ للرخاء أو الديمقراطية. (المُترجم).
[18] ناتاليا غينزبرغ (‎Natalia Ginzburg, 1916-1991‎)، كاتبةٌ إيطاليةٌ يهودية. (المُترجم).
[19] الحرب الأهلية الروسية (1917-1921)، النزاع الذي أعقب الثورة البلشفية بين الجيش الأحمر الشيوعي والجيش الأبيض المناهض له، وشهد موجاتٍ من المذابح ضد اليهود (البوغروم) في مناطق عديدة. (المُترجم).
[20] فيديادر سوراجبراساد نيبول، روائيٌّ بريطانيٌّ من أصلٍ ترينيدادي-هندي، حائزٌ على جائزة نوبل في الأدب. (المُترجم).
[21] براڤدا، الصحيفة الرسمية للحزب الشيوعي السوفييتي سابقًا، اشتهرت بكونها أداةً للدعاية الحكومية، ويُستخدم اسمُها اليوم كمجازٍ للإشارة إلى الصحافة الموجَّهة والمُسيَّسة. (المُترجم).
* كل هوامش المقالة من المُترجم.
تابع قناتنا على واتساب