يراقب الفلسطينيّون في قطاع غزّة من خلف ركام الإبادة والحصار المتواصل مشهدًا شديد التعقيد، يجري على مسافة غير بعيدة بالرّغم من جغرافيّتها المكسورة، حيث تتوجّه الأحزاب العربيّة إلى صناديق اقتراع الكنيست الإسرائيلي. هذا المشهد المتمثّل في الانقسام المزمن والتنافس المحتدم بين القائمة المشتركة بمركّباتها الوطنيّة واليساريّة، والقائمة العربيّة الموحّدة بمرجعيّتها الإسلاميّة ومقاربتها الائتلافيّة، يُقرأ من قطاع غزّة عبر عدسة نقديّة صارمة، لا تنفصل صراحةً عن تداعيات تجربة انتخابات 2021 وما تلاها من منعطفات قاسيّة، لتطرح سؤالًا جوهريًّا: كيف ينظر الغزيّون إلى هذه اللعبة البرلمانية، وما هي دلالات غياب الوحدة الشاملة بين مركبات التيار العربي في إسرائيل؟
على الصعيدين الشعبي والنّظري في غزّة، يوجد تفهّم عميق وموضوعي لطبيعة الهاجس الوجودي الذي يحكم حياة فلسطينيّي الدّاخل، بحربهم اليوميّة ضد منظومتي الفصل والعنصريّة الممنهجة وأسرلة المجتمعات الفلسطينيّة، فضلًا عن تصاعد الجريمة المنظّمة المدعومة ضمنيًّا من أجهزة الأمن الإسرائيليّة. غير أنّ هذا التفهّم الإنساني لا ينعكس نحو تأييد الآلية البرلمانيّة، إذ تسود في غزّة قناعة أكاديميّة ووطنيّة وتجريبيّة أيضًا، بأنّ الكنيست الإسرائيلي هو بنية استعماريّة صهيونيّة أُسّست لإلغاء الوجود الفلسطيني، لا لمنحه شرعيّة التغيير. ومن هذا المنطلق، تُرى المشاركة الانتخابيّة كأداة تكتيكيّة بحتة للدفاع عن "الحيّز اليومي" وليست إستراتيجيّة خلاص، أي فلسفة بقاء مقابل سقف مؤسساتيّ، مع وعي تام بأنّ سقف أي تمثيل برلماني عربي سيظلّ محكومًا بمعادلة صهيونيّة مهيمنة.
المشتركة والموحّدة بين تقاطع منهجيّ وتعارض غاياتي
يتعامل الشارع الفلسطيني، والنّخب في قطاع غزّة مع الانقسام بين "المشتركة" و"الموحّدة" باعتباره نابعًا من أزمة هويّاتيّة وإستراتيجيّة أعمق داخل النخبة السياسيّة لفلسطينيّي الدّاخل. نهجت القائمة الموحّدة برئاسة منصور عبّاس تجربة المقايضة البرلمانيّة، والتي قُوبِلت في غزّة بريبة شديدة ومرارة عميقة، إذ كانت المراهنات على الائتلافات الحكوميّة، ومقايضة الحقوق الوطنيّة بالميزانيّات المدنية والخدمات، ليتراجع هذا النهج ويسقط اختباره الأخلاقيّ والسياسيّ الأقسى في أتون الإبادة.
وفي المقابل، تعتبر القائمة المشتركة خط معارضة وطنيّة حقيقي، تتمسّك بخطاب قومي وطبقي معارض للسياسات الصهيونيّة، ورغم سعيها لتوحيد الصف وتحقيق كتلة وازنة تحمي الحقوق القوميّة والجماعيّة، إلا أنّ غزة تُدرِك بحرقة حدود هذا الفعل؛ فالمنبر البرلماني الإسرائيلي عاجز بنيويًّا عن حماية الدم الفلسطيني، أو كبح جماح آلة الحرب. وعند طرح التساؤل حول إمكانيّة توحّد "المشتركة" و"الموحّدة"، يبرز استنتاج أنّ هذا الاندماج يعكس استحالة الجمع بين متناقضين: تيار يرى في المعارضة الجذرية ورفض الصهيونية عقيدة، وتيار يرى في الاندماج الإداري والمساومة مصلحة. وغزّة لا تربّي أوهامًا بأنّ توحّد القوائم العربيّة سيحدث زلزالًا سياسيًا، فالتجربة أثبتت امتلاك الكنيست آليات مناعة لتهميش أي كتلة عربية وازنة. غير أنّ الانقسام القائم يُقرأ غزيًّا باعتباره استنزافًا للطاقة النضالية، يحول المعركة أحيانًا من مواجهة المشروع العنصري إلى صراعات نفوذ حزبية ضيقة.
ومن هذا التداخل المعقّد، هناك تفهّم تام لحاجتهم لأدوات اشتباك مدني معيشي داخل منظومة العدو (مثل البلديات والكنيست) لحماية الأرض، والهوية، ومنع الاقتلاع، وجرائم الجريمة المنظّمة؛ فهذا مشروع بقاء ودفاع عن النفس. غير أنّ النصح الأكاديمي والوطني النابع من عمق الألم الغزي يحذّر بوعي حاد: على فلسطينيّي الداخل التفريق بين الضّرورة اليوميّة، والوهم الإستراتيجيّ. فالخطر الحقيقي يكمن في "الأسرلة النّاعمة"، أي تحوّل هذا الاشتباك التكتيكي إلى "اندماج وظيفي" -كما تجلى في تجربة منصور عبّاس في مقايضة الحقوق الوطنية بفتات الميزانيات الخدماتيّة- مما يحوّل التمثيل العربي إلى أداة تجميليّة للنظام الصهيوني.
نتنياهو والحرب: حدود الوهم والتكتيك البرلماني
كما يعلم الشّارع الغزّي أنّ الحرب على قطاع غزّة لم تبدأ بشخص نتنياهو وحده أو حكومته، بل هي عقيدة أمنية وعسكرية توافقت عليها المؤسّسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية بمختلف أطيافها (يمين ويسار ووسط) ردًا على صدمة السابع من أكتوبر. فالمعارضة وأحزابها (مثل غانتس، وآيزنكوت، ولبيد) لم تعترض على الهدف المطلق المتمثل في "سحق غزة"، بل تركز خلافها على التكتيك وإدارة الوقت وملف الأسرى. ورغم أن إزاحة نتنياهو -الذي يُطيل أمد الحرب هروبًا من المحاكمة وحماية لائتلافه المتطرف- قد لا تنهي المشروع الاستيطاني، أو تغيّر خطط "اليوم التالي" القائمة على السيطرة العسكرية، إلا أنّ المواطن الغزّي يرى فيها، وفي مخرجات أي مخاض سياسي إسرائيلي داخلي يشارك فيه فلسطينيّو الدّاخل، نافذة محتملة لتخفيف وطأة آلة الإبادة وكسر حدّة الموت اليومي، تكتيكيًّا وإن ظل السقف المؤسساتي الصهيوني على حاله.
البوصلة خارج سور الكنيست
تخلص القراءة الغزّية للمشهد الانتخابي الإسرائيلي إلى خلاصة إستراتيجية مفادها: أنّ الرهان المطلق على التغيير عبر أروقة الكنيست هو رهان على سراب بنيوي، ففلسطينيو الداخل وغزّة يقعون في جغرافيا واحدة من الإلغاء والقهر الإسرائيلي، وإن اختلفت الأدوات والظروف. وبينما تفرض الضرورة اليومية على أهل الداخل خوض معركة البقاء تحت سقف محكوم بالهيمنة، تظل بوصلة النضال الفلسطيني الحقيقي خارج أسوار الكنيست؛ متجذرة في وحدة الدم، والمصير، والاشتباك التاريخي مع المشروع الاستعماري بأسره، لا في محاولة تجميل شروط العيش تحته أو الرهان على إصلاح بنيته من الداخل.
وهم التمكين ومأزق البقاء: قراءة غزّية لانتخابات الكنيست وثنائية "المشتركة" و"الموحدة"
يراقب الفلسطينيّون في قطاع غزّة من خلف ركام الإبادة والحصار المتواصل مشهدًا شديد التعقيد، يجري على مسافة غير بعيدة بالرّغم من جغرافيّتها المكسورة، حيث تتوجّه الأحزاب العربيّة إلى صناديق اقتراع الكنيست الإسرائيلي. هذا المشهد المتمثّل في الانقسام المزمن والتنافس
