2026/11/05Last News | آخر الأخبار على مدار الساعة19° حيفا
Last News | آخر الأخبار — Last News
عربي ودولي

كي لا تقع المشتركة في فخّ التوصية مجددًا

ليس مطلوبًا من القائمة المشتركة أن تتفق أحزابها على كل شيء، ولا أن يتبنى جمهورها مشروعًا سياسيًّا واحدًا. لكن ثمة أساسٌ لا ينبغي أن يضيع وسط التنافس الانتخابي: أن العمل السياسي العربي ليس مجرد مشاركة في لعبة تشكيل الحكومات الإسرائيلية، وأن تمثيل المجتمع الفلسط

كي لا تقع المشتركة في فخّ التوصية مجددًا
ليس مطلوبًا من القائمة المشتركة أن تتفق أحزابها على كل شيء، ولا أن يتبنى جمهورها مشروعًا سياسيًّا واحدًا. لكن ثمة أساسٌ لا ينبغي أن يضيع وسط التنافس الانتخابي: أن العمل السياسي العربي ليس مجرد مشاركة في لعبة تشكيل الحكومات الإسرائيلية، وأن تمثيل المجتمع الفلسطيني في إسرائيل ليس وظيفة مشتقة من حاجة هذا المعسكر أو ذاك إلى أصوات نوابه.
ذلك أنّ المشتركة على اختلاف مركباتها تستمد شرعيتها من المجتمع الذي تمثله، ومن قضاياه وحقوقه وتطلعاته، لا من قدرتها على ترجيح كفة مرشح إسرائيلي على آخر. وليست هذه دعوة إلى الانعزال عن السياسة أو التخلي عن التأثير فيها، بل تذكيرٌ بأنّ التأثير وسيلةٌ لتحقيق مشروع سياسي، وليس مشروعًا بحد ذاته.
وعليه؛ فعلى بعد أقلّ من أسبوعين على الانتخابات يجب التحضير لليوم التالي للانتخابات، وللمحطة السياسية الأولى بعد إعلان النتائج، وهي محطة توصية الأحزاب على مرشح لرئاسة الحكومة، إذ سُوّقت هذه المحطة -من دون وجه حق- في السنوات الأخيرة بوصفها محطّة مفصليّة، وإجراءً يلخص معنى العمل الحزبي والسياسي.
وينبغي التعامل مع مسألة التوصية لرئيس الدولة، لا باعتبارها إجراء دستوريًّا أو ورقة تفاوضيّة، بل باعتبارها قرارًا سياسيًّا يتصل بهوية التمثيل العربي وحدود علاقته بالمعسكرات الإسرائيلية.
ومن الطبيعي أن تسعى المشتركة إلى الإسهام في إسقاط حكومة نتنياهو وبن غفير، بل إن ذلك قد يكون أحد الأهداف الانتخابية التي تجمع بين أحزابها ومصوّتيها، على اختلاف مشاربهم ومواقفهم السياسية؛ لكنّ الرغبة في تغيير الحكومة شيء، وتزكية أحد قادة المعسكرات الإسرائيلية لتشكيل الحكومة المقبلة شيء آخر تمامًا.
ولا يجوز أن يتحوّل الخوف من اتهام المشتركة بإفشال تغيير الحكومة إلى سبب يدفعها إلى تقديم توصية لا تنسجم مع هويتها ودورها السياسي، كخطوة اجبارية تعبر عن الإيفاء بالوعد الانتخابي. إذ إنّ الضغط الذي يمارسه شعار "تغيير الحكومة" مفهوم انتخابيًّا، لكنّه لا ينبغي أن يعفي أحدًا من الإجابة عن السؤال الأهم: أي تغيير نريد؟ وما الذي يضمن ألّا يتحوّل دعمنا السياسي إلى أداة تخدم مسارًا يناقض الغاية التي قدمناه من أجلها؟
والخلط بين إسقاط نتنياهو والتوصية على أحد منافسيه ليس مجرد خطأ في الحسابات، بل قد يقود المشتركة مجددًا إلى فخّ سياسي سبق أن وقعت فيه في الماضي القريب، إذ اتضح أنّه خطأ سياسي وأخلاقي وتكتيكي في آن واحد.
ففي آذار/ مارس 2020، أوصى نواب المشتركة الخمسة عشر بتكليف بيني غانتس بتشكيل الحكومة، بعد أن خضع التجمع لقرار الأغلبية خلافًا للانتخابات التي سبقتها. وبفضل هذه التوصيات، إلى جانب توصيات كتل أخرى، نال غانتس التكليف من رئيس الدولة. كانت الغاية المعلنة واضحة: إنهاء حكم نتنياهو؛ فاستخدم غانتس موقعه السياسي الجديد للدخول في حكومة وحدة مع نتنياهو نفسه، الذي بقي رئيسًا للحكومة.
أما المشتركة التي ساهمت في منحه فرصة تشكيل حكومة بديلة، فلم تكن شريكة في تحديد المسار الذي اختاره، ولم تملك وسيلة لإلزامه بتحقيق الغاية التي أوصت به من أجلها.
لا يعني ذلك أن توصية المشتركة هي التي أنتجت حكومة الوحدة، ولكنّه يعني شيئًا لا يقل أهمية: التوصية ممكن أن تمنح شرعية سياسية لمسار لا نملك التحكم في نهايته، وإذا لم تُراجَع هذه التجربة فيبدو أنّ المشتركة ستقع في الفخ ذاته، هذا علاوة على عدم مراجعة التوصية بكونها موقفًا فتح الطريق للموحدة لشرعنه المشاركة في حكومة صهيونية، وتطبيع التنازل مقابل المشاركة السياسية.
ففي عام 2021، تكررت المفارقة بصورة مختلفة؛ أوصى خمسة من نواب المشتركة الستة بتكليف يائير لبيد، وامتنع ممثل التجمع الوحيد فيها حينه عن التصويت، لكنّ الحكومة التي تشكلت في نهاية المطاف كانت برئاسة نفتالي بينيت، وبتركيبة وبرنامج لم يكونا معروفين عند تقديم التوصية. وهكذا، لم تكن هوية الموصى به ضمانة لهوية الحكومة التي ستقوم لاحقًا.
هاتان التجربتان تفرضان علينا مراجعة فكرة التوصية نفسها، ومراجعة اجتراح الموقف المبدئي والقيمي، لا مجرد البحث عن شروط أفضل لتقديمها في المرة المقبلة لمجرد الهلع من قضية تغيير الحكومة.
فالتوصية أمام رئيس الدولة ليست تصويتًا على برنامج حكومي، ولا على تشكيلة وزارية، ولا على اتفاق ائتلافي؛ إنّها تزكية لشخص كي يحاول تشكيل حكومة لا نعرف بعد ذلك من سيشارك فيها، ولا ما سيكون برنامجها، ولا إن كانت ستقوم أصلًا، علاوة على كونها طقسًا من طقوس الديمقراطية المزيفة التي تقرّ بإقصاء العرب دستوريًّا، ومشاركة احتفالية في رمز السيادة الصهيوني إلى جانب الأحزاب التي ساهمت في شطب جميع الأحزاب العربية.
ولماذا يُطلب من المشتركة أن تحدد موقفها من رئيس الحكومة المقبل قبل أن تعرف طبيعة حكومته، فيما يُترك للمرشح نفسه كامل المجال للتفاوض وتغيير الشركاء والاتجاهات؟ ولماذا يجب أن يزجّ العربي بنفسه في حفلة السيادة والحكم في التنافس على قيادة المشروع الصهيوني؟ بعد أن ثبت بالحجّة والبرهان أنّ التوصية بحد ذاتها لا تؤدي بالضرورة إلى النتيجة المرجوة.
والأخطر أنّ هذا السؤال يُطرح عادة تحت عنوان أخلاقي ضاغط: هل تريدون إسقاط نتنياهو أم لا؟ وكأنّ الامتناع عن التوصية يعني الرغبة في بقائه، وكأنّ الطريق الوحيد لمعارضته يمر عبر منح التفويض السياسي لأحد منافسيه، على الرغم من تجربة غانتس ولبيد اللذين حصلا على التوصية، وقاما بتسليمها لمرشح آخر.
وإسقاط نتنياهو، على أهميته، لا يمكن أن يتحوّل إلى تفويض سياسي مفتوح لكل من يعلن منافسته؛ فليس كل من يعارض نتنياهو يعارض سياساته تجاه الفلسطينيين، وليس كلّ تغيير في هوية رئيس الحكومة تغييرًا في السياسات التي تمسّنا.
ولا ينبغي للمشتركة أن تخوض الانتخابات بخطاب الاستقلالية السياسية، ثم تتصرف في اليوم التالي تحت وطأة الخوف من تحميلها مسؤولية فشل الأحزاب الإسرائيلية في تشكيل حكومة بديلة.
فهذه المسؤولية تقع أولًا على عاتق الأحزاب التي تتنافس على الحكم، وتحدّد شركاءها وشروطها، وتقرر في النهاية إن كانت مستعدة لتشكيل حكومة دون نتنياهو أم لا.
وإذا كانت المشتركة تضم أحزابًا تختلف في رؤيتها لدور الأحزاب العربية وعلاقتها بالحكومات الإسرائيلية، فإن هذه التعددية يجب أن تدفعها إلى الحذر من تقديم التزامات سياسية مسبقة باسم الجميع، لا إلى اختزال اختلافاتها في سباق لإثبات من هو الأكثر استعدادًا لمساعدة معسكر التغيير.
وعليه، لا بدّ من الالتفات إلى الاستنتاج الطبيعي: أن ثمّة موقف مبدئي وأخلاقي أثبت نفسة برفض تقديم التوصية، وأن المشتركة ليست مجبرة على التوصية لكي يحدث التغيير.
ورفض التوصية لا يعني الانسحاب من السياسة، ولا التخلي عن هدف تغيير الحكومة، ولا اتّخاذ موقف واحد مسبق من جميع الحكومات المحتملة؛ إذ هناك فرق جوهري بين تزكية شخص لقيادة حكومة لم تتشكل بعد، والحكم على حكومة فعلية تقف أمام الكنيست بتركيبتها وبرنامجها وسياساتها.
ففي الحالة الأولى يُطلب من المشتركة منح ثقتها السياسية لشخص ومسار مفتوحين على احتمالات متعددة، من بينها حكومة وحدة وطنية قد تضم نتنياهو نفسه، أو حكومة تريد هندسة قيادات عربية على مقاسها وإقصاء أخرى لاعتبارات عنصرية.
أما في الحالة الثانية، فإنها تتعامل مع واقع سياسي محدد، وتملك أن تقرر موقفها من منح الثقة أو حجبها أو الامتناع عن التصويت، وفق طبيعة الحكومة ومضمون برنامجها وتقديرها السياسي المستقل، وهنا أيضًا تجدر الإشارة إلى عدم صحة الإعلان المسبق في هذا الموضوع، كما جاء في إعلان الدكتور يوسف جبارين باسم المشتركة.
إنّ هذا التمييز لا يضعف قدرة المشتركة على التأثير، بل يمنع استباق قراراتها. فالتأثير لا يبدأ بالضرورة من التوصية، ولا ينتهي عندها، ويمكن للمشتركة أن تؤثر في التصويتات البرلمانية والتشريعات والميزانيات وموازين القوى، دون أن تمنح مسبقًا تفويضًا سياسيًّا لأحد المعسكرات، ودون المسّ بهوية العمل السياسي العربي، ودون أن تعلن أنّها ستحمي من يرفع شعار استبدال نتنياهو من دون مضمون معرف وواضح للناس.
ومن هنا، لا ينبغي أن يتحوّل النقاش بعد الانتخابات إلى مساومة على ثمن التوصية؛ فوظيفة المشتركة هي أن تمثّل جمهورها ومطالبه وحقوقه ومواقفه السياسية، وأن تستخدم قوتها البرلمانية لخدمة هذا التمثيل. ومن حقها أن تسعى لتغيير الحكومة، لكن ليس مطلوبًا منها أن تصبح طرفًا في المنافسة بين المعسكرات الإسرائيلية على قيادة الدولة والمشروع الصهيوني.

اقرأ/ي أيضًا | نتنياهو ليس المشكلة وتغيير الحكومة ليس الحل.. عن خيار معارضة المعارضة
تابع قناتنا على واتساب