دعت نقابة للعاملين في القطاع الصحي بجمهورية الكونغو الديمقراطية، الخميس، إلى إضراب عام يشمل مختلف أنحاء البلاد، بما فيها المناطق المتضررة من تفشي فيروس إيبولا، احتجاجًا على تدني الأجور وسوء ظروف العمل وعدم صرف بدلات المخاطر، في وقت تواجه فيه البلاد أكبر تفشٍ للمرض في تاريخها، مع تسجيل 9144 إصابة مؤكدة و4410 وفيات منذ منتصف مايو/ أيار الماضي.
وقال منسق النقابة، داميان موهيندو، إن الإضراب سيشمل أيضًا المرافق الصحية في المناطق التي ينتشر فيها الوباء، مشيرًا إلى أن المفاوضات مع الحكومة لم تسفر عن الاستجابة لمطالب العاملين بزيادة الأجور وتحسين ظروف العمل وصرف المستحقات المالية.
وأوضح موهيندو أن مراكز علاج إيبولا ستواصل تقديم الحد الأدنى من الخدمات، لكن عملياتها ستتقلص بصورة كبيرة، لتقتصر على الرعاية الطارئة وأقسام العزل.
وحذّر من أن الإضراب سيؤدي إلى تعطيل خدمات أساسية لمكافحة الوباء، تشمل تشخيص الإصابات وتتبع الأشخاص المخالطين للمرضى، إلى جانب التجارب السريرية المتعلقة بالعلاجات المضادة للفيروسات واللقاحات التجريبية.
وتأتي الدعوة إلى الإضراب وسط أزمة صحية متفاقمة، وصف خلالها "المركز الأفريقي لمكافحة الأمراض والوقاية منها" التفشي الحالي بأنه الأسرع انتشارًا لإيبولا في التاريخ، مع استمرار تسجيل إصابات جديدة واتساع رقعة المناطق المتضررة.
بحسب أحدث البيانات التي نشرها "المركز الأوروبي للوقاية من الأمراض ومكافحتها"، سجلت الكونغو الديمقراطية 9144 إصابة مؤكدة بإيبولا، بينها 4410 حالات وفاة، حتى 12 أكتوبر/ تشرين الأول 2026.
وأفاد المركز، في تحديث نُشر في 14 أكتوبر/ تشرين الأول، بأن 899 مريضًا كانوا يتلقون العلاج داخل مرافق العزل، فيما تعافى 2418 مصابًا منذ بداية التفشي.
وسجلت السلطات في 12 أكتوبر/ تشرين الأول وحده 79 إصابة مؤكدة جديدة و11 وفاة، في مؤشر إلى استمرار انتقال العدوى بعد خمسة أشهر من إعلان تفشي المرض.
وامتد الوباء إلى 65 منطقة صحية موزعة على سبعة أقاليم، هي إيتوري وشمال كيفو وجنوب كيفو وأوت أويلي وتشوبو وباس أويلي وجنوب أوبانغي.
ويُعد إقليم إيتوري الأكثر تضررًا، بعدما سجل 6734 إصابة و3177 وفاة، موزعة على 28 منطقة صحية من أصل 36 منطقة في الإقليم.
ويليه إقليم شمال كيفو، الذي سجل 1938 إصابة و1102 وفاة، فيما توزعت بقية الإصابات على الأقاليم الخمسة الأخرى.
ولا تعكس هذه الأرقام بالضرورة الحجم الفعلي للوباء، إذ تشير تقديرات مسؤولين صحيين إلى أن الإصابات المؤكدة قد تمثل نحو ثلث الحالات، بسبب صعوبات اكتشاف العدوى والوصول إلى بعض المناطق.
وأكد المركز الأوروبي أن بيانات الإصابات والوفيات تخضع للمراجعة والتدقيق المستمرين، ما يعني أن الأرقام قد تتغير مع تحديث السجلات الصحية.
لا تمثل الدعوة الجديدة إلى الإضراب أول تحرك احتجاجي للعاملين في القطاع الصحي منذ بداية تفشي إيبولا، إذ شهدت عدة مناطق متضررة توقفًا عن العمل واحتجاجات خلال الأشهر الماضية، بسبب تأخر الرواتب وعدم صرف بدلات المخاطر.
وفي يوليو/ تموز الماضي، أضرب عاملون في مستشفى بونيا العام، بإقليم إيتوري، احتجاجًا على عدم حصولهم على مستحقاتهم المالية، رغم مشاركتهم في مواجهة الوباء منذ إعلانه في منتصف مايو/ أيار.
كما توقف عشرات العاملين في مركز لعلاج إيبولا بمنطقة روامبارا عن العمل، مطالبين بصرف أجورهم ومكافآتهم المتأخرة.
وشملت الاحتجاجات أطباء وممرضين وعاملين في المراقبة الوبائية وتتبع المخالطين وفرق الدفن الآمن، وهي خدمات أساسية للحد من انتقال العدوى داخل المجتمعات المتضررة.
وفي أغسطس/ آب، تحدث عاملون صحيون عن عدم تلقي رواتبهم وبدلاتهم منذ بداية تفشي المرض، رغم استمرارهم في العمل داخل مرافق عالية الخطورة، تتطلب إجراءات وقاية مشددة.
وكان وزير الصحة الكونغولي، روجيه كامبا، قد أقر بوجود مشكلات تتعلق بصرف المستحقات، مشيرًا إلى اكتشاف أسماء غير مستحقة ضمن قوائم العاملين المطالبين بالدفع، ومؤكدًا أن السلطات تعمل على مراجعة السجلات والتحقق منها.
وتحدثت تقارير صحافية عن خطط حكومية لاعتماد تسجيل بيومتري للعاملين، بهدف ضبط قوائم المستفيدين ومعالجة الاختلالات في صرف الأجور.
لكن استمرار الاحتجاجات يعكس عدم تسوية الخلافات المالية، في وقت تعتمد فيه جهود الاستجابة للوباء على آلاف العاملين الذين يواجهون خطر التعرض للعدوى أثناء تقديم العلاج وتتبع الإصابات.
سلالة نادرة من إيبولا دون لقاح معتمد
أعلنت الكونغو الديمقراطية في 15 مايو/ أيار الماضي تفشي إيبولا للمرة السابعة عشرة في تاريخها، بعدما رُصدت إصابات بسلالة "بونديبوجيو" النادرة في إقليم إيتوري شرقي البلاد.
وتختلف هذه السلالة عن سلالة إيبولا زائير، التي تتوافر لها لقاحات وعلاجات معتمدة، إذ لا يوجد حتى الآن لقاح أو علاج مرخص خصيصًا لمواجهة فيروس بونديبوجيو.
وتجرى تجارب على لقاحات وعلاجات محتملة، لكن استمرار التفشي وصعوبة الوصول إلى المرضى وتعطل بعض المرافق الصحية يعقدان جهود الاستجابة.
وكانت "منظمة الصحة العالمية" قد أعلنت في 17 مايو/ أيار أن التفشي يمثل حالة طوارئ صحية عامة تثير قلقًا دوليًا، فيما أعلن "المركز الأفريقي لمكافحة الأمراض والوقاية منها"، في اليوم التالي، حالة طوارئ للصحة العامة على مستوى القارة.
وبحسب المنظمة، انتشر الفيروس لأسابيع قبل اكتشاف التفشي رسميًا، ما سمح بانتقال العدوى بين المجتمعات المحلية قبل بدء الاستجابة الصحية الواسعة.
ويُعد التفشي الحالي الأكبر في تاريخ الكونغو الديمقراطية، بعدما تجاوز من حيث عدد الإصابات والوفيات تفشي إيبولا بين عامي 2018 و2020، الذي أودى بحياة أكثر من 2200 شخص.
كما أصبح ثاني أكبر تفشٍ لإيبولا على مستوى العالم، بعد وباء غرب أفريقيا بين عامي 2014 و2016، الذي تسبب في أكثر من 11 ألف وفاة.
الصراع المسلح يعقّد احتواء الفيروس
تواجه السلطات الصحية تحديات متعددة في السيطرة على انتشار إيبولا، أبرزها استمرار القتال بين القوات الحكومية والجماعات المسلحة في شرق البلاد، ما يعرقل حركة الفرق الطبية ووصول الإمدادات إلى بعض المناطق المتضررة.
وتؤدي التحركات السكانية الواسعة، المرتبطة بالنزاع والنزوح، إلى زيادة صعوبة تتبع المخالطين ومراقبة انتقال العدوى.
كما تواجه المرافق الصحية نقصًا في المستلزمات الطبية ومعدات الوقاية ومراكز العلاج، إلى جانب ضعف الالتزام بالإجراءات الوقائية وانتشار معلومات مضللة بشأن المرض.
ووفق بيانات المركز الأوروبي، كانت الفرق الصحية تتابع 77.6% من المخالطين الذين جرى تحديدهم في الأقاليم المتضررة، ما يترك فجوة في عمليات المراقبة الوبائية.
وتشير "منظمة الصحة العالمية" إلى أن استمرار انتقال العدوى في مناطق يصعب الوصول إليها يمثل تحديًا رئيسيًا، خصوصًا عندما يترافق مع ضعف قدرات التشخيص والعزل وتأخر اكتشاف الإصابات.
وفي ظل هذه الظروف، يثير احتمال تعطل خدمات تتبع المخالطين والتشخيص بسبب الإضراب مخاوف من تراجع قدرة السلطات على تحديد سلاسل انتقال العدوى واحتواء البؤر الجديدة.
تأثيرات تتجاوز مرضى إيبولا
لا تقتصر تداعيات تفشي المرض على المصابين بالفيروس، إذ أدت المخاوف من انتقال العدوى إلى عزوف عدد من السكان عن زيارة المرافق الصحية للحصول على خدمات أساسية.
وذكرت "رويترز"، في تقرير نشرته الأربعاء 14 أكتوبر/ تشرين الأول، أن الخوف من الإصابة والمعلومات المضللة وعدم الثقة بالمرافق الصحية أثرت بصورة كبيرة في خدمات صحة الأمهات والأطفال بالمناطق المتضررة.
وبحسب التقرير، ارتفعت وفيات الأمهات بنسبة 70% في إقليم إيتوري بين مايو/ أيار ويوليو/ تموز الماضيين، في ظل تراجع خدمات متابعة الحمل والولادة داخل المستشفيات.
كما تأثرت برامج تطعيم الأطفال ضد أمراض أخرى، بينها الحصبة، إذ أفادت "منظمة الأمم المتحدة للطفولة" بأن عدد الأطفال الذين تلقوا الجرعة الأولى من لقاح الحصبة في منطقة مونغبالو انخفض بنسبة 69%.
وسجلت المنطقة تراجعًا في عدد جرعات التطعيم بمقدار 23 ألف جرعة خلال مايو/ أيار ويونيو/ حزيران، مقارنة بشهر أبريل/ نيسان السابق.
وتزيد هذه التطورات من المخاوف بشأن الآثار غير المباشرة للوباء على النظام الصحي، خصوصًا في المناطق التي تعاني أصلًا من نقص الأدوية والكادر الطبي وتراجع المساعدات الدولية.
إيبولا يصل إلى كينيا
امتدت تداعيات التفشي إلى خارج حدود الكونغو الديمقراطية، بعدما أعلنت وزارة الصحة الكينية، الأربعاء، تسجيل ثاني إصابة مؤكدة بإيبولا في البلاد.
وأوضحت الوزارة أن المصاب رجل يبلغ 39 عامًا، وهو من المقربين لأولى الحالات المؤكدة في كينيا، وكان يخضع للحجر الصحي والمراقبة الطبية قبل ظهور الأعراض عليه.
وكانت كينيا قد سجلت أول إصابة وافدة بالفيروس لدى رجل يبلغ 40 عامًا، عاد من الكونغو الديمقراطية مرورًا بأوغندا، قبل وفاته في نيروبي يوم 5 أكتوبر/ تشرين الأول.
وأكدت السلطات الكينية أن الإصابتين مرتبطتان من الناحية الوبائية، ولا توجد أدلة على انتشار الفيروس داخل المجتمع على نطاق أوسع.
وحددت فرق الاستجابة 128 شخصًا خالطوا المصاب الأول، وتمكنت من تتبع 113 منهم، بينما وُضع 108 أشخاص تحت الحجر الصحي داخل كينيا، مع إخطار السلطات المختصة بشأن خمسة مخالطين خارج البلاد.
وشددت وزارة الصحة على أن اكتشاف الحالة الثانية أثناء الحجر الصحي ساعد في الحد من احتمال انتقال العدوى، مؤكدة استمرار إجراءات المراقبة والفحص عند المعابر الحدودية والمطارات.
وتأتي هذه التطورات بينما تحاول الكونغو الديمقراطية احتواء تفشي إيبولا في ظروف صحية وأمنية معقدة، وسط مخاوف من أن يؤدي الإضراب العام للكوادر الصحية إلى تعطيل خدمات حيوية تعتمد عليها جهود تشخيص الإصابات وعلاج المرضى ومنع انتشار العدوى.
إيبولا يفتك بالكونغو: إضراب الكوادر الصحية يهدد جهود احتواء الوباء
دعت نقابة للعاملين في القطاع الصحي بجمهورية الكونغو الديمقراطية، الخميس، إلى إضراب عام يشمل مختلف أنحاء البلاد، بما فيها المناطق المتضررة من تفشي فيروس إيبولا، احتجاجًا على تدني الأجور وسوء ظروف العمل وعدم صرف بدلات المخاطر، في وقت تواجه فيه البلاد أكبر تفشٍ ل
