تتواصل التهديدات المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران، وسط تقارير عن تزايد الحشد العسكري الأميركي في الشرق الأوسط بشكل يومي، واستعدادات لاحتمال استئناف الحرب على طهران، بما يثير تساؤلات بشأن طبيعة وشكل التصعيد وما إذا كانت المنطقة تتجه نحو جولة جديدة من الحرب.
وتأتي هذه التوترات قبل أقل من أسبوعين على موعد انتخابات الكنيست، إذ تبيّن كافة الاستطلاعات عدم قدرة رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، والأحزاب اليمينية على تشكيل حكومة. مع تبقي أيضا أقل من 40 يومًا على انتخابات التجديد النصفي الأميركية، ما يضع الحسابات السياسية والانتخابية لكل من نتنياهو والرئيس الأميركي دونالد ترامب في صلب المشهد، وسط تساؤلات بشأن توظيف التوتر لتحقيق مكاسب داخلية.
وفي المقابل، تواصل إيران إظهار استعدادها للمواجهة، مع التلويح بتوسيع رقعة الصراع إقليميًا، خاصة في ظل اشتعال جبهة اليمن وإلحاق الحوثيين أضرارًا فادحة بالاقتصاد والمطارات السعودية.
وبالتزامن مع استمرار محاولات الوساطة الدبلوماسية، وبين احتمالات استئناف الحرب والضغط التفاوضي، تبقى المنطقة أمام سيناريوهات مفتوحة لتصعيد واسع.
وحول هذه التطورات، حاور "عرب 48" أستاذ حلّ النزاعات والعلاقات الدولية في الجامعة العربية الأميركية في جنين، د. أيمن يوسف، للاطّلاع على أبرز السيناريوهات المحتملة.
"عرب 48": كيف تقرأ المشهد الحالي في ظل التهديدات المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران؛ هل نحن أمام جولة جديدة؟ أم عمليات جراحية محدودة؟
د. يوسف: أعتقد أن هناك مجموعة من السيناريوهات المطروحة بشأن المواجهة الأميركية الإيرانية في هذه المرحلة. السيناريو الأول يتمثل في العودة إلى الحرب خلال فترة قصيرة، وهو احتمال قائم، وخصوصًا أن نتنياهو يحتاج إلى هذه الحرب لأسباب عدة، من بينها تحقيق مكاسب شعبية في الانتخابات المقبلة، أو تأجيلها حتى، إذ أن دخول إسرائيل في مواجهة عسكرية قد يسهم في تأجيلها لمدة تصل إلى 6 أشهر، لا سيما في ظل معطيات استطلاعات الرأي العام التي لا تصب في مصلحته.
د. أيمن يوسف
في المقابل، أعتقد أن ترامب يعتمد في جزء من سياسته على التهديد والوعيد، بما يمكن أن يخدم موقفه على طاولة المفاوضات مع إيران، أو أن يسهم في كسب تأييد الرأي العام الأميركي، وخصوصًا أن الولايات المتحدة تتجه هي الأخرى إلى انتخابات التجديد النصفي للكونغرس بعد نحو 40 يومًا. وبالتالي، قد تكون هناك رغبة أميركية وإسرائيلية في الذهاب نحو سيناريو التصعيد العسكري.
أما السيناريو الثاني، فيتمثل في ممارسة مزيد من الضغط والتهديد على إيران لإجبارها على العودة إلى طاولة المفاوضات وتقديم تنازلات إضافية، وخصوصًا أن جهود الوساطة القطرية والعُمانية والباكستانية لا تزال متواصلة.
"عرب 48": على الجهة الأخرى، تواصل إيران حالة التعبئة، وتضرب السفن في مضيق هرمز بشكل شبه يومي فضلا عن دعم الحوثيين في حربهم؛ هل تعتقد أن هذه المعطيات تشير إلى أن إيران تتجه إلى حرب شاملة؟
د. يوسف: أعتقد أن ما نشهده يندرج ضمن طبيعة الحرب النفسية والإعلامية، التي تشكل جزءًا أساسيًا من المواجهة، سواء على مستوى القاعدة الشعبية أو الرأي العام. إيران تحاول إظهار أنها مستعدة لمواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، وتبعث برسائل في اتجاهات متعددة؛ أولًا إلى الرأي العام والشعب الإيراني، وثانيًا إلى الجيش والحرس الثوري، من أجل إبقائهما في حالة استعداد وتأهب.
كما توجه إيران رسائل إلى دول المنطقة، وتحديدًا الدول العربية والخليجية إضافة إلى باكستان وتركيا، مفادها بأن اندلاع الحرب لن يقتصر على طرفي المواجهة، بل ستكون تداعياتها إقليمية ودولية. وتلوّح طهران بإغلاق مضيق هرمز بصورة كاملة، وإمكانية إغلاق باب المندب، بما يعني نقل المواجهة من سياقها الإقليمي إلى مستوى التهديد للأمن والاقتصاد العالميين.
لذلك، فإن الاستعدادات الإيرانية متوقعة على المستويات اللوجستية والعسكرية والإعلامية، فالمواجهة بين الولايات المتحدة وإيران تقوم على مبدأ الندّية، أي رد مقابل رد، وضربة مقابل ضربة، وصاروخ مقابل صاروخ، وهذا النهج يشكل جزءًا من الإستراتيجية الإيرانية في التعامل مع التصعيد والضغط التفاوضي.
وفي ظل فتح جبهة اليمن وسيطرة الحوثيين على باب المندب، وما قد يترتب على ذلك من تأثيرات على قناة السويس والتجارة الدولية، يمكن أن نشهد تدخلًا إقليميًا أكبر من جانب السعودية ومصر وتركيا وباكستان وقطر وسلطنة عُمان، بهدف الضغط على الولايات المتحدة ودفعها إلى التعاطي بصورة أكثر إيجابية مع المسار السياسي والدبلوماسي.
"عرب 48": لأي مدى تعتقد أنه في حال استئناف الحرب فهي تأتي لتحقيق أهداف سياسية؟ أم أن هناك أهدافا عسكرية وإستراتيجية تستطيع الولايات المتحدة وإسرائيل تحقيقهما؟ وذلك بالرغم من استخدام الولايات المتحدة وإسرائيل إمكانات عسكرية واسعة خلال حرب الـ40 يوما دون تحقيق الأهداف المرجوة؟
د. يوسف: أميل إلى الفرضية الأولى، وهي أن التصعيد الحالي يرتبط بدرجة كبيرة بأهداف وحسابات انتخابية، سواء إن بالنسبة إلى ترامب، في سياق انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي، أو نتنياهو، الذي يتجه إلى انتخابات الكنيست والتجديد الكامل للكنيست خلال أقل من أسبوعين.
كلا الرجلين يحاولان الاستفادة من حالة التهديد والوعيد لتحقيق مكاسب سياسية وانتخابية، وربما كسب أصوات شرائح من الناخبين ممن لم يحسموا خياراتهم بعد. التصعيد قد يكون محاولة لاستمالة هذه الأصوات وتحقيق مكاسب في هذه المرحلة.
غير أنه لا يمكن تجاهل أن الولايات المتحدة جرّبت مختلف الخيارات في تعاملها مع إيران، بما في ذلك الخيار العسكري والمفاوضات والمسار الدبلوماسي والعقوبات الاقتصادية وسياسة الحصار والضغط المتواصل، من دون أن تتمكن من إنهاء المواجهة أو إخضاع إيران، التي لا تزال حاضرة وقادرة على الاستمرار.
وهنا يبرز السؤال بشأن ما إذا كانت واشنطن ستذهب إلى استخدام أسلحة أكثر تدميرًا، بما في ذلك القنابل القذرة التكتيكية، التي قد تؤدي إلى مقتل آلاف أو عشرات آلاف الأشخاص داخل منطقة محدودة في طهران. وهذا احتمال يرتبط بطبيعة شخصية ترامب، الذي يصعب قياس مزاجه السياسي، ويميل إلى التباهي والاستعراض وتقديم نفسه بصورة استثنائية، وكأنه يمثل دور المسيح من جديد.
هذه الأطروحات الأيديولوجية، سواء في أوساط اليمين الأميركي المتطرف الذي يقوده ترامب، أو في أوساط اليمين الإسرائيلي، تجعل من الصعب استبعاد سيناريوهات بالغة الخطورة، بينها توجيه ضربة مدمرة في عمق الأراضي الإيرانية، رغم صعوبة تصور الوصول إلى هذا المستوى من التصعيد.
"عرب 48": بالانتقال إلى الجبهة اليمنية، هناك من يرى أن تحركات الحوثيين باتجاه السعودية ودول الخليج تشكل يدًا غير مباشرة لإيران، بهدف استهداف الاقتصاد السعودي وقطاع النفط والتجارة العالمية ورفع الأسعار. إلى أي مدى تتحكم إيران بقرار الحوثيين، وهل التحركات اليمنية جزء من إستراتيجية إيرانية مباشرة أم أن للحوثيين حساباتهم الخاصة؟
د. يوسف: أعتقد أن لإيران دورًا في إثارة هذا الملف وتحريك هذه القضية، لكن في الوقت نفسه يحاول الحوثيون الاستفادة من التطورات الإقليمية وفق حساباتهم ومصالحهم الخاصة. ولا يمكن التعامل مع المسألة باعتبارها إما بيضاء أو سوداء، لأن الفرضيتين تتداخلان.
هناك أزمة قائمة في اليمن، في ظل المواجهة مع الجيش اليمني المدعوم سعوديًا، وهذه الأزمة لا تقتصر على الداخل اليمني، بل تمتد إلى منطقة الخليج والإقليم عمومًا. وأعتقد أن الحوثيين أجروا تقديرات وحسابات سياسية وعسكرية، ورأوا في أزمة مضيق هرمز فرصة للدخول في مواجهة مع السعودية، بما قد يفتح المجال أمام الوصول إلى صفقة أو تحقيق مكاسب سياسية.
يجب أن نأخذ في الاعتبار أن السعودية باتت في قلب هذه الحرب، وأنها دخلت في تحالف مع باكستان وتركيا. ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة التحركات الحوثية باعتبارها محاولة لاختبار هذا التحالف، وهي فرضية أرى أن إيران قد تكون معنية بها أيضا، وخصوصا أنها لم تكن راضية عن التقارب والتحالف السعودي الباكستاني التركي.
بالتالي، قد تكون هناك محاولة لإثارة الخلاف مع السعودية وتأزيم المشهد على أكثر من جبهة، سواء إن في قناة السويس أو باب المندب أو مضيق هرمز، إلى جانب اختبار طبيعة هذا التحالف، والاتفاق الذي وقعته السعودية مع تركيا وباكستان، ومعرفة ردود فعل الدولتين إزاء أي تصعيد محتمل.
وخصوصًا أن باكستان وتركيا حافظتا على موقف أقرب إلى الحياد في الصراع، بل إنهما بذلتا جهودًا للوصول إلى تسوية سياسية. ومن هنا، فإن إثارة جبهة جديدة قد تشكل اختبارًا حقيقيًا لمواقفهما وحدود التزامهما تجاه السعودية في حال اتساع المواجهة الإقليمية.
اقرأ/ي أيضًا | الباحث عبد كناعنة: ترامب في مأزق وهرمز وباب المندب يقلبان حسابات الحرب
حوار مع د. أيمن يوسف | حسابات ترامب ونتنياهو الانتخابية قد تدفع لتصعيد جديد مع إيران
تتواصل التهديدات المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران، وسط تقارير عن تزايد الحشد العسكري الأميركي في الشرق الأوسط بشكل يومي، واستعدادات لاحتمال استئناف الحرب على طهران، بما يثير تساؤلات بشأن طبيعة وشكل التصعيد وما إذا كانت المنطقة تتجه نحو جولة جديدة من الحرب
