بين أشجار الزيتون في الضفة الغربية وجنوبي لبنان، تتشابه الحكاية وإن اختلفت الجغرافيا؛ مزارعون يواجهون الاعتداءات والتهديدات والحرمان من الوصول إلى أراضيهم، في محاولة لانتزاعهم من أرض ارتبطت بها حياتهم وأرزاقهم وذاكرتهم.
وفي موسم يفترض أن يكون مناسبة للفرح وجني الثمار، يتحول قطاف الزيتون إلى معركة يومية يخوضها الفلسطينيون واللبنانيون في مواجهة إرهاب المستوطنين والقيود والاعتداءات الإسرائيلية، وتصبح أشجار الزيتون بما تحمله من رمزية للصمود والتجذر شاهدة على معاناة تتجاوز خسارة المحصول إلى تهديد حق المزارعين في البقاء في أرضهم.
وفي بلدة كفرشوبا الحدودية جنوبي لبنان، منعت قوة من الجيش الإسرائيلي، صباح الخميس، مزارعين من الوصول إلى أراضيهم الزراعية لقطاف الزيتون، فيما يواجه المزارعون الفلسطينيون في مختلف أنحاء الضفة الغربية اعتداءات تستهدف أشجارهم ومحاصيلهم.
حاول عدد من الأهالي وأصحاب الأراضي في كفرشوبا التابعة لقضاء حاصبيا الوصول إلى أراضيهم الزراعية، ولا سيما حقول الزيتون، قبل أن تقترب منهم دورية إسرائيلية وتجبرهم على المغادرة.
وتقع كفرشوبا ضمن المنطقة التي أعلن الجيش الإسرائيلي في نيسان/ أبريل الماضي فرض ما يسميه "الخط الأصفر" فيها، ما أدى إلى تقييد وصول السكان إلى أجزاء واسعة من أراضيهم الزراعية.
ويمتد "الخط الأصفر" جنوب نهر الليطاني باتجاه الحدود، ويحدد منطقة يتخذها الجيش الإسرائيلي حزاما أمنيا عازلا.
وبموجب القيود المفروضة في هذه المنطقة يواجه السكان ولا سيما المزارعون صعوبات في الوصول إلى أراضيهم، فضلا عن العراقيل التي تحول دون عودة الأهالي إلى القرى الحدودية.
والزيتون هو أحد مصادر الدخل المهمة لشريحة واسعة من سكان جنوبي لبنان، إذ يوفر موسم القطاف فرص عمل موسمية لآلاف العمال، وتنشط خلاله معاصر الزيتون وقطاعات النقل والتجارة.
"أرضنا قطعة من قلبنا"
فوجئ المزارع فادي شبلي صاحب إحدى الأراضي الزراعية في كفررشوبا بجفاف جزء من أشجار الزيتون التي زرعها، وأوضح أن القوات الإسرائيلية جرفت معظم أشجاره المتبقية.
وقال شبلي متحدثا عن صلته بأرضه: "هذه أرضنا، وقطعة من قلبنا وروحنا". وأشار إلى أنها المرة الثانية التي يزرع فيها أرضه، ثم يضطر إلى تركها دون القدرة على العناية بها كما ينبغي.
على صلة
لبنان: العدوان الإسرائيلي يحاصر موسم الزيتون ويهدد أرزاق آلاف العائلات
وأضاف أن القوات الإسرائيلية جرفت معظم أشجار الزيتون الأخرى التي يبلغ عمرها نحو 10 سنوات، ولم يتبق منها سوى شجرتين.
ويسلط حال شبلي الضوء على الصعوبات التي يواجهها مزارعو القرى الحدودية في الوصول إلى أراضيهم، والعناية بمحاصيلهم في ظل استمرار التوتر والقيود المفروضة على الحركة جنوبي لبنان.
ضمانات أمنية
وفي مسعى للوصول إلى أراضيهم الزراعية، ينتظر أهالي كفرشوبا الحصول على ضمانات أمنية تسمح لهم بتفقد حقولهم وقطاف الزيتون، وفق رئيس البلدية قاسم القادري. الذي قال إن الأهالي ينتظرون ضمانات من لجنة الإشراف على وقف الأعمال العدائية المعروفة باسم "الميكانيزم"، للسماح لهم بدخول أراضيهم الزراعية.
وتتولى اللجنة متابعة تنفيذ الترتيبات الأمنية المتعلقة بوقف الأعمال العدائية بين لبنان وإسرائيل، والتنسيق بشأن القضايا المرتبطة بها.
وقد أُسست في إطار اتفاق وقف الأعمال العدائية الذي دخل حيز التنفيذ في 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، برعاية أميركية - فرنسية لمراقبة تنفيذ الاتفاق، ودعم تطبيق قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701.
خسارة نحو نصف الإنتاج
وفي ظل القيود الأمنية والأضرار التي خلفتها الحرب، يسعى مزارعو الجنوب إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه من موسم الزيتون.
وتشير إحصاءات "تجمع مزارعي الجنوب"، وهو تجمع نقابي أهلي غير حكومي، إلى أن مناطق الجنوب تسهم بنحو 28% من إجمالي إنتاج الزيتون في البلاد، خصوصا المناطق الواقعة في القطاع الشرقي.
وأوضح التجمع أن جنوبي لبنان خسر نحو نصف إنتاجه من الزيتون جراء الحرب، وأن الأضرار شملت اقتلاع الأشجار من جذورها وحرقها وتجريفها.
كما أدى منع الأهالي من الوصول إلى حقولهم داخل المنطقة التي يسميها الجيش الإسرائيلي "الخط الأصفر" إلى جفاف أشجار الزيتون وموتها، نتيجة تعذر العناية بها، وفق التجمع.
على صلة
لبنان: تضرّر نحو 56 ألف هكتار من المساحات الزراعية بعدوان إسرائيل
وسبق أن أعلنت وزارة الزراعة اللبنانية في تقرير عن أضرار الحرب على القطاع الزراعي، أن المساحات المتضررة من أشجار الزيتون بلغت نحو 6,600 هكتارا (الهكتار يساوي 10 آلاف متر مربع).
وأظهر التقرير أن إجمالي المساحات الزراعية المتأثرة في لبنان بلغ نحو 56,264 هكتارا.
مخاطر مخلفات الحرب
ومن التحديات الأخرى التي يواجهها مزارعو جنوبي لبنان: مخاطر الذخائر غير المنفجرة ومخلفات الحرب، ما يزيد صعوبة استئناف أنشطتهم الزراعية.
وفي هذا السياق، حذرت بلديتا فرون وياطر جنوبي لبنان، الإثنين الماضي، الأهالي من دخول بساتين الزيتون قبل مراجعة الجهات المعنية والمختصة، خشية وجود قنابل عنقودية وألغام أرضية خلفها العدوان الإسرائيلي.
من كفرشوبا بلبنان إلى الطيبة بالضفة
ولا تقتصر معاناة مزارعي الزيتون على جنوبي لبنان، إذ يواجه الفلسطينيون في الضفة الغربية المحتلة صعوبات مماثلة في الوصول إلى أراضيهم وجني محاصيلهم، وسط اعتداءات تنفذها عصابات المستوطنين الإرهابية، التي تستهدف الأشجار والثمار والمعدات الزراعية.
ففي بلدة الطيبة شمال شرقي رام الله وسط الضفة الغربية، يخشى المزارع الفلسطيني بشير نعيم خسارة محصول الزيتون، بعدما تعرضت أرضه لاعتداءات من مستوطنين شملت تكسير أغصان الأشجار وسرقة ثمارها.
ويقول نعيم إن وجود المستوطنين في المنطقة حرمه من الوصول بحرية إلى أرضه، والعناية بأشجارها وقطف ثمارها في موعدها.
وأوضح أن أرضه البالغة مساحتها نحو 6 آلاف متر مربع تضم أشجار زيتون رومية معمرة، كانت تنتج سنويا نحو 40 تنكة من زيت الزيتون، سعة الواحدة نحو 20 لترا.
لكن محصوله هذا الموسم بات مهددا بالضياع، بعدما تعذر عليه الوصول إلى أرضه، ويخشى أن تمتد خسائره إلى المواسم المقبلة.
"هذا ليس قطفا بل انتقام"
ويروي نعيم أنه فوجئ قبل ثلاثة أيام بأضرار واسعة لحقت بأشجاره، شملت تكسير الأغصان وتناثر الثمار على الأرض، وسرقة الأغطية المستخدمة لجمع الزيتون وأغراض أخرى.
ويقول: "أشجار الزيتون كلها مكسرة، وثمارها قُطفت بطريقة عشوائية، كما تعرضت أغصانها للتكسير والتخريب".
على صلة
تضرر 98 ألف شجرة زيتون بالضفة وخسائر تتجاوز 66.5 مليون دولار
وأوضح نعيم أن المستوطنين يعتلون الأشجار ويضربون أغصانها بالعصي لإسقاط الثمار، قبل أخذ جزء منها وترك الباقي متناثرا على الأرض.
ويستنكر ما جرى قائلا: "هذا ليس قطفا للزيتون بل انتقام"، إذ يعتقد أن الاعتداء لم يستهدف المحصول وحده، بل الأشجار نفسها.
ولا تمثل الأرض بالنسبة إلى نعيم مجرد مصدر دخل، بل تحمل قيمة شخصية كبيرة، إذ يصفها بأنها "أغلى ما يملك"، ويشير إلى عنايته المستمرة بأشجارها.
ويخشى أن تحتاج الأشجار المتضررة إلى وقت طويل لاستعادة إنتاجيتها، قائلا إن إصلاحها وإعادة تقليمها قد يستغرقان عامين أو ثلاثة أعوام.
ويضيف أن الموسم الحالي انتهى عمليا بالنسبة إليه بعدما حرم من الوصول إلى أرضه وجني ثمارها، ولفت إلى خسارته الاستفادة من محصوله في موسمين.
محاولات لإنقاذ المحصول
وفي محاولة لمساعدة نعيم على جني ما تبقى من محصوله، وصل ناشطون إلى المنطقة لمرافقته خلال القطاف، لكن عصابات المستوطنين طردوهم، ما حال دون إتمام المهمة.
ورغم الأضرار التي لحقت بأرضه، لا يزال المزارع الفلسطيني يأمل العودة إليها قبل انتهاء الموسم، خشية سرقة ما تبقى من الثمار أو تعرض الأشجار لمزيد من التخريب.
ويقول: "أطالب بتوفير الحماية لنا، سواء من متضامنين أوروبيين أو من أي جهة تستطيع مرافقتنا إلى أراضينا".
وتعكس تجربة نعيم جانبا من الصعوبات التي يواجهها المزارعون الفلسطينيون خلال موسم الزيتون، في ظل الاعتداءات التي تطال الأراضي والمحاصيل ومصادر الرزق.
اعتداءات متصاعدة
أعلنت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية توثيق 136 اعتداء مرتبطا بموسم قطف الزيتون، نفذها الجيش الإسرائيلي ومستوطنون منذ مطلع تشرين الأول/ أكتوبر الجاري.
وشملت الاعتداءات الضرب والطرد والترهيب وإطلاق النار والغاز والاعتقال، إضافة إلى سرقة الثمار ومعدات القطاف وتخريب الأشجار.
على صلة
عدوان المستوطنين والجيش بالضفة: حرق 55 زيتونة معمّرة وسرقة محاصيل واعتداءات واسعة على الفلسطينيين
ولا تنتهي معاناة بشير نعيم مع عصابات المستوطنين عند الاعتداء على أشجار الزيتون ومعدات القطاف، إذ قد حرمته عصابات المستوطنين الإرهابية وهجماتها المتكررة على منزله الجديد من الانتقال إليه، بعدما قضى 7 سنوات في بنائه، وحلم بأن يسكن فيه مع أبنائه وأحفاده.
اقرأ/ي أيضًا | غزة: تراجع عدد أشجار الزيتون من مليوني شجرة إلى 150 ألفا بفعل الإبادة
اقرأ/ي أيضًا | من حلم العائلة إلى "السجن".. إرهاب المستوطنين يحرم بشير نعيم من بيته
اعتداءات إسرائيل تفسد موسم الزيتون على اللبنانيين والفلسطينيين
بين أشجار الزيتون في الضفة الغربية وجنوبي لبنان، تتشابه الحكاية وإن اختلفت الجغرافيا؛ مزارعون يواجهون الاعتداءات والتهديدات والحرمان من الوصول إلى أراضيهم، في محاولة لانتزاعهم من أرض ارتبطت بها حياتهم وأرزاقهم وذاكرتهم. وفي موسم يفترض أن يكون مناسبة للفرح وجن
