"إذا لم تُعطِنا إيران كلّ ما نريد منها فلن تكون!" ـ هذا ما كتبه بداية الأسبوع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في واحدة من منصّاته. كلام يليق برئيس عصابة، ويقينًا ليس برئيس دولة. أو ربّما أن تبديل المواقع بين هذا وذاك تمّ في غفلة منّا، أو الأصحّ ـ على مرأى منّا. أو أن التصريح يكشف حقيقة الدولة كما آلت إليه في ذروة أزمتها الوجوديّة كناظمة للاجتماع. أميركا اليوم، أكثر من أي وقت مضى، تعكس الأزمة والتحوّل الذي حصل في "دي إن إيه" الدولة في أواخر ما بعد الحداثة. فقد انحسرت فيها كلّ عوامل المعقوليّة والتوازنات وكلّ اعتبارات الشرعيّة والقانون الدولييْن لصالح ذاك "القانون" المبنيّ على فكرة شرعيّة تحقيق الربح، ولا تهمّ الوسائل، بما في ذلك القوّة والتوحّش. هذه هي اللغة التي يُريد ترامب وقوى السوق من خلفه أن ترسّخها لغة دوليّة متداولة.
علينا أن ننتبه إلى الحقبة التي نعيشها. وهي حقبة صراع وحروب للسيطرة والاستحواذ على الموارد في كل طول وعرض الكرة الأرضيّة. على النفط والغاز، وعلى الممرات البحرية ومداخل البحار وسلاسل التوريد والمعادن النادرة وسلّة الغذاء ومصادر المياه. فالحرب في أوكرانيا حرب على سلّة الحبوب العالميّة، وحروب المنطقة حروب على الغاز والنفط والممرّات، والحروب في شرق أفريقيا على المياه والبحر وأراضي المحاصيل الثمينة والجغرافيا. إنها حقبة انهيار كلّ ما بُني بُعيْد الحرب العالمية الثانية من توازنات، بما في ذلك المحاور والمنظومات والسرديات والتفاهمات والدول. إنها حقبة تنهار فيها المفاهيم والاعتبارات أيضًا. في حقبة هذه سمتها الرئيسيّة، تنتفي أسباب التسويات والتفاهمات وتترك مكانها - كما أسلفنا - للحروب والنزاعات ولخطاب حربجيّ وسباق تسلّح مُعلن يطال الدول الوازنة كلّها. فكل مراكز أبحاث الأمن تقريبًا تنشر في السنوات الأخيرة الزيادة الهائلة في ميزانيّات التسلّح والقفزات التكنولوجية العالية في مجال تصنيع السلاح ومنظوماته. من هنا أدّعي أن الحرب "الحقيقيّة" لم تنشب بعد، لأن عوامل نشوبها لا تزال تتشكّل، وأن فتيل الإشعال جاهز في مواقع صناعة القرار المعنيّة بكل ما أوردناه من تفاصيل الصراع الكونيّ الكبير.
وإذا عُدنا إلى منطقتنا، فإن دواعي الحروب التي تشنّها إسرائيل وأميركا نيابة عن مُحدثي الحروب وأصحاب المصالح في الصراع الكونيّ لا تزال هنا بقوّة، خاصة أنها - هذه الحروب - لم تحقّق إلى الآن الهيمنة المرجوّة والمصالح المحدّدة. وقد يكون تصريح ترامب في بداية المقال أوضح قول يوضّح الوِجهة أو الغاية من هذه الحروب. صحيح أنه يُمكننا ربط كل شيء الآن بالانتخابات في إسرائيل أو الانتخابات النصفيّة في أميركا، وقد يصحّ الربط، بيد أنني على اعتقاد أن الحرب ستنشب مجدّدًا في المدى القريب، ليس بسبب الانتخابات، بل لأن الانتخابات هنا أو هناك تجري بسبب الحروب، من بريطانيا إلى البرازيل إلى ألمانيا إلى إسرائيل إلى بولندا. ففي إطار الحروب نفسها وما تجسّده من صفقات، يدعو ترامب صراحةً إلى تغيير الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي.
دواعي الحرب الأخيرة على إيران، وهي الحرب على اليمن ولبنان، لا تزال هنا. بل إن حقيقة صمود إيران ونظامها أُضيفت إلى هذه الدواعي عند المعنيين بالغاية التي أُعلن عنها ترامب وسواه ـ الرغبة في السيطرة على كلّ شيء في إيران. وهذا يعني النفط والغاز والأصول والموارد والخليج والممرّ والسوق والحكم والناس والاسم. في الخلفيّة حقائق أخرى تتّصل بعامل فائض القوة والنزعة الأعمق للسيطرة. ففائض القوّة - تقول نظريات السياسة - لا بدّ من أن يُترجم إلى فعل، لأن فائض القوة ينطوي على إغراء كبير باستعماله. ولأن أصحاب هذا الفائض معتقدون بقدرتهم الفعليّة على إخضاع كل جهة ودولة ونظام لمشيئتهم، فسيحاولون أن يفعلوا. الشعور بالقوّة المُطلقة والحريّة المُطلقة لدى هؤلاء يجعلهم أحرارًا في إحداث الأذى غير الخاضع لاعتبارات حاول العالم أن يُنتجها بعد الحرب العالمية الثانية لتجنيب العالم قدر الإمكان فظائع الحروب وويلاتها. فالحروب التي نشهدها في هذه الحقبة هي حروب مُطلقة من حيث إنها تشهد استعمال كلّ سلاح ووسيلة لإحداث أكبر أذى بالعدوّ.
سيبحث تُجار الحروب عن فرصتهم فقط لأن الأسباب والدواعي كامنة في عقيدتهم، وليس في إيران أو نظامها ولا في الحوثيين ولا في الفلسطينيين ولا في السودانيين أو الليبيين. الحروب في أساسها كامنة في خُطط ومشاريع الذين جعلوها شرعيّة تمامًا لتحقيق غاياتهم. فهم دائمًا هناك لاستثمار هذه الحروب وللانقضاض على الغنائم في نهايتها أو عندما يخفّ أوارها. الحروب لهؤلاء تصير كـ"شربة الماء"، تبرّد القلب وتشرح الصدر. فهم الذين يربحون منها ولا يدفعون الثمن حتّى لو انتكست مشاريعهم، فإنهم سينهضون ويذهبون إلى الحرب القادمة فلعلّها تردّ لهم الاعتبار. وهذا الدافع قويّ الحضور فيما يتّصل بحربهم الأخيرة على إيران. تكشف ذلك حقيقة مواصلة استنزاف إيران ومحاولة ضرب قدراتها إلى يومنا هذا عبر كلّ وسيلة ممكنة. هي الحرب لا تزال هنا وكأنها لم تنشب بعد. من غير المُستبعد أن يستأنفها أصحابها الراغبون في موارد الكون كلّ لحظة.
كأن الحرب لم تنتهِ
"إذا لم تُعطِنا إيران كلّ ما نريد منها فلن تكون!" ـ هذا ما كتبه بداية الأسبوع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في واحدة من منصّاته. كلام يليق برئيس عصابة، ويقينًا ليس برئيس دولة. أو ربّما أن تبديل المواقع بين هذا وذاك تمّ في غفلة منّا، أو الأصحّ ـ على مرأى منّا.
