2026/11/05Last News | آخر الأخبار على مدار الساعة21° حيفا
Last News | آخر الأخبار — Last News
عربي ودولي

انتقاد أم طوق نجاة؟ بريطانيا تنتقد إرهاب المستوطنين فيما تحمي المشروع الاستيطاني

في خطوة يمكن أن توصف باللافتة، انتقدت بريطانيا مؤخرًا ما وصفته بـ"إرهاب المستوطنين" في الضفة الغربية، وفرضت مع دول غربية أخرى عقوبات على مستوطنين وشركات، وعلّقت مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة مع إسرائيل. كما دانت مع فرنسا وألمانيا وإيطاليا "التصعيد الهائل للعنف

انتقاد أم طوق نجاة؟ بريطانيا تنتقد إرهاب المستوطنين فيما تحمي المشروع الاستيطاني
في خطوة يمكن أن توصف باللافتة، انتقدت بريطانيا مؤخرًا ما وصفته بـ"إرهاب المستوطنين" في الضفة الغربية، وفرضت مع دول غربية أخرى عقوبات على مستوطنين وشركات، وعلّقت مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة مع إسرائيل. كما دانت مع فرنسا وألمانيا وإيطاليا "التصعيد الهائل للعنف من جانب المستوطنين ضد المدنيين الفلسطينيين". هذا الموقف في ظاهره إيجابي ويستحق التقدير؛ كونه يعترف بوجود عنف منظم تمارسه مجموعات مستوطنة بدعم من الحكومة الإسرائيلية. لكن، هل يكفي هذا الموقف لمعالجة جذور المشكلة، أم أنه يخدم وظيفة أيديولوجية أخرى؟
الواقع يُظهر بشكل جليّ أن المشكلة الحقيقية ليست في "مجموعة مستوطنين" مارقة، بل في منظومة كاملة تنتجهم وتحميهم. فبينما يسجّل الجيش الإسرائيلي 845 مما يسميه "جريمة عنف قومية" فقط، توثّق هيئة مقاومة الجدار والاستيطان 4,723 اعتداء، أي أكثر من خمسة أضعاف الرقم الإسرائيلي. هذه الفجوة ليست خطأً إحصائيًّا، بل هي سياسة تصنيف تهدف إلى تقليل حجم عنف المستوطنين. أما مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، فقد وثّق 5,375 هجومًا بين عامي 2023 و2026، قفزت من 1,291 هجومًا عام 2023 إلى 1,835 عام 2025، وصولًا إلى نحو 800 هجوم في الأشهر الأولى من عام 2026 وحده. هؤلاء المستوطنون، وعددهم نحو 750 ألفًا في مئات المستوطنات، يعملون تحت حماية الجيش الإسرائيلي، ما يعني أننا لا نتحدث عن خروج عن القاعدة، بل عن ظاهرة بنيوية ضمن نظام متكامل.
هذا بنظري لبّ الموضوع وعليه أن يكون جوهر النقد، فالمشروع الصهيوني في أساسه مشروع استيطاني إحلالي، والأمر يتعدّى كون ذلك توصيفًا، فهو تعريف عضويّ. الصهيونية، كما يشير عبد الوهاب المسيري، قامت على مفهوم "الاستيطان الإحلالي" باعتباره جوهر المشروع. فهي ليست مجرد حركة هجرة أو احتلال عسكري، بل خطة استعمارية تهدف إلى إحلال كتلة بشرية وافدة محل السكان الأصليين؛ لهذا فإن "أرض إسرائيل الكاملة" ليست مجرد شعار ديني، بل هي برنامج سياسي لا يعترف بحدود نهائية، مما يفسر استمرار الاستيطان وغياب أي تصور مستقرّ للحدود.
وعلى الأرجح أنّ بريطانيا، بانتقادها للمستوطنين كأفراد، تحاول حماية إسرائيل من ذاتها، وهي تفرّق بين "إسرائيل داخل حدود 1967" و"المستوطنات في الضفة"، وتتعامل معهما ككيانين منفصلين، فهل حقًّا يمكن فصل المشروع الاستيطاني عن الكيان الذي أنشأه ويغذّيه ويدعمه؟ هذا التمييز المتعمّد يهدف إلى إعادة تقديم إسرائيل للعالم كـ"ديمقراطية ليبرالية" تحترم القانون الدولي، مع تحميل "مجموعة متطرفة" مسؤولية الجرائم. لكن هذا يتناقض مع حقيقة أن هذه "الديمقراطية" هي في جوهرها إثنوقراطية، أي هي نظام يمنح امتيازات بنيوية لمجموعة إثنية مهيمنة على حساب الآخرين، مع الحفاظ على مظاهر ديمقراطية شكلية. وفي واقع الأمر فإنّ أكاديميين إسرائيليين بارزين، مثل أورن يفتاحيل، يرون أن إسرائيل تجاوزت الإثنوقراطية إلى نظام فصل عنصري (أبارتهايد)، حيث يتمتّع المواطنون اليهود بكامل الحقوق، في حين يميّز بشكل واضح ضدّ الفلسطينيّين في الداخل، ويُستبعد الفلسطينيون في الأراضي المحتلّة من أية حقوق سياسية.
ولعلّ أوضح دليل على أن الاستيطان ليس فعلًا فرديًّا لـ"مجموعة مستوطنين مارقة"، بل سياسة دولة ممنهجة، هو وجود وزارة رسمية للاستيطان في الحكومة الإسرائيلية. فقد أنشأها نتنياهو عام 2020 في حكومة الوحدة الخامسة والثلاثين (الليكود وأزرق-أبيض بقيادة غانتس)، ثم تحوّلت في حكومة 2022 إلى وزارة مستقلة بقيادة أوريت ستروك. وقد نمت ميزانيتها بنسبة 122% لتصل إلى 764 مليون شيكل (254 مليون دولار) بحلول 2026، ثم ارتفعت إلى 821 مليون شيكل بعد إضافة 335 مليونًا.
كما أقرّ مجلس الوزراء الأمني 1.3 مليار شيكل لبناء 34 مستوطنة جديدة، ليصل الإجمالي التراكمي إلى 103 مستوطنات منذ تشكيل الحكومة، إضافة إلى 75 مليون شيكل لتأمين البؤر الاستيطانية غير المرخصة حتى وفق القانون الإسرائيلي نفسه. وبالتوازي، أُنشئت الإدارة الاستيطانية داخل وزارة الدفاع بقيادة بتسلئيل سموتريتش، ونُقلت إليها صلاحيات التخطيط والبناء من الجيش، أي أن الاستيطان ليس شذوذًا، بل سياسة دولة تموّل وتخطّط وتنفّذ.
خلاصة الأمر: انتقاد بريطانيا لإرهاب المستوطنين ليس خطأً، لكنه غير كافٍ؛ إنه يشبه علاج أعراض مرض عضال مع تقبّل المرض نفسه، فجوهر المشكلة ليس في ممارسة المستوطنين للإرهاب، بل في الأيديولوجية التي تجعل هذا الإرهاب ممكنًا ومشروعًا ومستمرًا. المشكلة هي في مشروع استيطاني إحلالي يستهدف الأرض والإنسان، وفي نظام إثنوقراطي يتناقض جوهريًّا مع أي تعريف حقيقي للديمقراطية. وإن لم يكن النقد موجهًا الى هذا الأساس، فسيظل مجرد تغطية تحمي إسرائيل من ذاتها، وتعيد منحها غطاءً ليبراليًّا يخدّر ضمير العالم.
تابع قناتنا على واتساب