2026/11/05Last News | آخر الأخبار على مدار الساعة21° حيفا
Last News | آخر الأخبار — Last News
عربي ودولي

ليست أعشابًا ضارّة: الفاشية والعنف ضد الفلسطينيين والحاجة إلى مشروع وطني موحّد

وُجّهت إلى محاضر في قسم الرياضيات بجامعة بار إيلان لائحة اتهام، بالتخطيط لهجمات إرهابية جماعية ضد العرب والفلسطينيين. ووفقًا للائحة الاتهام، خطّط المتهم لتشكيل 12 خلية إرهابية تنشط في البلدات العربية والمدن المختلطة، بل وتحدّث صراحةً عن استهداف النساء والأطفال

ليست أعشابًا ضارّة: الفاشية والعنف ضد الفلسطينيين والحاجة إلى مشروع وطني موحّد
وُجّهت إلى محاضر في قسم الرياضيات بجامعة بار إيلان لائحة اتهام، بالتخطيط لهجمات إرهابية جماعية ضد العرب والفلسطينيين. ووفقًا للائحة الاتهام، خطّط المتهم لتشكيل 12 خلية إرهابية تنشط في البلدات العربية والمدن المختلطة، بل وتحدّث صراحةً عن استهداف النساء والأطفال.
سيكون من السهل على المجتمع اليهودي الإسرائيلي الادعاء بأنهم أمام "عشب ضار"، أي شخص متطرّف وشاذّ لا تعكس أفعاله وتصوّراته بالضرورة طبيعة المجتمع الذي يعيش فيه. غير أنّ الاكتفاء بهذا التفسير الفردي قد يصرف النقاش عن السؤال الأصعب فعلًا، وهو سؤال نظري وبنيوي في الوقت ذاته: ما الظروف السياسية والاجتماعية والأيديولوجية التي تتيح نشوء رؤية للعالم يمكن في إطارها تصوّر القتل الجماعي للفلسطينيين بوصفه برنامجًا سياسيًّا قابلًا للتنفيذ؟
الإجابة واضحة وضوح الشمس: لقد جاءت الإبادة الجماعية في غزة بعد سنوات من تصاعد التطرّف في الخطاب العام والسياسي في إسرائيل، وأصبحت الأفكار التي كانت تُنسب في السابق إلى الهوامش الكهانية تتسلّل باستمرار إلى قلب الخطاب المهيمن والمقبول سياسيًّا. ولم يعد التأييد العلني للترانسفير، والتهجير، وسلب الحقوق، والعقاب الجماعي، والتنكيل بالأسرى، واستهداف السكان المدنيين مقتصرًا على حفنة من المتطرّفين. فالحدود الفاصلة بين ما يُحظر قوله وما يمكن اقتراحه، وبين ما يمكن اقتراحه وما يمكن الشروع في تنفيذه آخذة في التآكل.
لا يبدأ الترانسفير بالضرورة بوصول الشاحنات ذات يوم لإخلاء السكان، بل يبدأ قبل ذلك بكثير: بتحويل السكان الفلسطينيين الأصليين إلى تهديد مزعوم؛ وإباحة الحديث عن اقتلاعهم؛ ونزع الشرعية عن وجودهم في الحيّز؛ وإقصائهم عن أراضيهم؛ وتضييق حيّز عملهم السياسي والاجتماعي والمساس بتمثيلهم السياسي كما حدث مؤخرًا مع رئيس حزب التجمّع الوطني الديمقراطي، سامي أبو شحادة؛ وصولًا إلى تحويل العنف ضدهم إلى أمر يمكن تخيّله، والتحريض عليه، ثم التخطيط لتنفيذه.
لذلك يصعب فصل المخطّط المنسوب إلى المحاضر في جامعة بار إيلان عمّا شهدناه وسمعناه مؤخرًا بالقرب من مجد الكروم. وبالطبع، لا نتحدّث عن الأفعال نفسها، ولا يجوز طمس الفروق بينها، غير أنّ الأحداث هناك أظهرت مدى السرعة التي يمكن أن تتحوّل بها مسألة الأرض والوجود الفلسطيني في الجليل إلى ساحة مواجهة قومية واسعة.
فقد أثار إنشاء بؤرة استيطانية على أراضٍ تابعة للصندوق القومي اليهودي (كيرن كييمت)، بالقرب من البلدة، مخاوف السكان من الاستيلاء على أراضيهم وتوسيع الاستيطان، وأدّى إلى احتجاجات شعبية. وخلال فترة وجيزة ترافق النضال المحلي مع خطاب عام يصوّر السكان الفلسطينيين أنفسهم بوصفهم مشكلة، ويطرح ضرورة تقييد وجودهم في الحيّز.
إنّ من يُصغي إلى ما يُقال حول البؤرة الاستيطانية قرب مجد الكروم، ويتابع الخطاب الأوسع بشأن "تهويد الجليل"، والترانسفير، ومحو الوجود الفلسطيني لا يمكنه أن يتعامل مع المخطّط المنسوب إلى محاضر جامعة بار إيلان كما لو أنّه وُلد في ذهن شخص واحد، بمعزل عن السياق السياسي والاجتماعي الأوسع.
لا يعني ذلك أنّ كلّ من يستخدم خطابًا عنصريًّا يخطّط لتنفيذ أعمال إرهابية، بالتأكيد لا؛ فالمسؤولية الجنائية فردية، والمحكمة هي التي ستقرّر ما إذا كان المتّهم مذنبًا (وحتى في ذلك ثمة شكوك!). لكنّ الأفكار لا تنشأ في فراغ، فالمجتمع يرسم الحدود لما يمكن التفكير فيه، وقوله، وتخيّله، وعندما تتحرّك هذه الحدود مرارًا وتكرارًا في اتجاه واحد، حين يُصوَّر الفلسطينيون بوصفهم تهديدًا ديمغرافيًّا وأمنيًّا، وحين يتحول الترانسفير إلى اقتراح سياسي قابل للنقاش، وحين يصبح نزع الشرعية عن الفلسطينيين ممارسة يومية، فإنّنا لا نعود نتفاجأ.
تقع على عاتق الأكاديميا الإسرائيلية اليوم مسؤولية النظر في المرآة ومواجهة ذاتها؛ ففي السنوات الأخيرة لم تكتفِ الجامعات بالصمت إزاء الإبادة الجماعية والتطهير العرقي وسيرورات التحوّل نحو الفاشية، بل شاركت هي نفسها في حالات كثيرة في خلق مناخ من الشكّ والمراقبة والإسكات تجاه الطلاب والطالبات وأعضاء الهيئات التدريسية العرب، بل واتّخذت إجراءات إقصاء وتعليق الدراسة وفصل منها. وكثيرًا ما تحوّلت التعبيرات السياسية للفلسطينيين، وأحيانًا لأكاديميين يهود من اليسار إلى ذرائع لتقديم الشكاوى، وفتح التحقيقات، واتّخاذ إجراءات تأديبية. لقد تقلّصت حدود حرية التعبير تحديدًا في الفترة التي اتّسعت فيها حدود الخطاب العنيف ضد الفلسطينيين.
وتفرض هذه المفارقة طرح سؤال بسيط: كيف ستتعامل المؤسسات الأكاديمية التي أبدت، في أحيان كثيرة، انعدامًا تامًّا للتسامح مع تعبيرات سياسية لطلاب ومحاضرين/ات فلسطينيين/ات، عندما يُتّهم أحد الأكاديميين، ليس بمجرّد تصريح مثير للاستياء، بل بالتخطيط لممارسة عنف جماعي ضد العرب والفلسطينيين؟
إنّ الاختبار الذي تواجهه جامعة بار إيلان، والأكاديميا الإسرائيلية عمومًا، لا يقتصر على كيفية التعامل مع شخص واحد. فالمطلوب استجابة مؤسساتية واضحة وحاسمة إزاء الأفعال الخطيرة المنسوبة إليه. وبالفعل، أعلنت الجامعة، بعد تقديم لائحة الاتهام، أنّها "تستنكر الأفعال المنسوبة إلى المحاضر وتشعر بالصدمة إزاءها"، وأنّه سيُعلَّق عن العمل فورًا حتى انتهاء الإجراءات القضائية.
لكن، إلى جانب ذلك، ثمة حاجة إلى مراجعة نقدية ومحاسبة ذاتية أعمق بكثير: ما الدور الذي أدّته الأكاديميا في مجتمع جرى فيه تطبيع نزع الإنسانية عن الفلسطينيين ونزع الشرعية عنهم، وعادت فيه فكرة الترانسفير إلى قلب الخطاب العام، فيما تتعمّق باستمرار نزعات التفوّق اليهودي وسيرورات التحوّل نحو الفاشية؟
لم يعد بالإمكان التعامل مع مثل هذه الحالات بوصفها مجرّد "أعشاب ضارّة"، أو ظواهر شاذّة ومعزولة عن المجتمع الإسرائيلي. بل إنّ الإصرار على هذا التوصيف أصبح، في حد ذاته، شكلًا من أشكال العنف والتواطؤ؛ إذ يعزل كلّ حالة عن السياق السياسي والاجتماعي الذي نشأت فيه. فعندما تتكرّر هذه "الأعشاب الضارّة" مرارًا وتكرارًا، وعندما يصبح الخطاب الداعي إلى الترانسفير والعنف ضد الفلسطينيين أكثر علنية ومقبولية، وعندما تتحوّل الفاشية إلى خطاب مهيمن، فإنّ المشكلة لم تعد، منذ زمن، في "العشب" نفسه، بل في التربة السياسية والاجتماعية والأيديولوجية التي تُنبته وتغذّيه. وعليه، فإنّ اختزال هذه الظواهر في أفراد متطرّفين أو حالات استثنائية لا يمثّل مجرّد قصور في التفسير، بل يساهم في طمس الطابع البنيوي للعنف، وفي إعادة إنتاج الشروط التي تسمح باستمراره. إنّ الإصرار على التعامل مع هذه الحالات كحالات استثنائية لم يعد تفسيرًا بريئًا، بل أصبح جزءًا من آليات إنكار المسؤولية وتطبيع الواقع الذي أنتجها.
إنّ البؤرة الاستيطانية قرب مجد الكروم، شأنها شأن لائحة الاتهام المقدّمة ضد المحاضر في جامعة بار إيلان، تفرضان على المجتمع الإسرائيلي ومؤسساته مواجهة سؤال بنيوي يتعلّق بالتربة السياسية والاجتماعية والأيديولوجية التي تنمو فيها مثل هذه الظواهر. فنحن أمام سيرورة تتدرّج من خطاب التفوّق اليهودي إلى شرعنة الترانسفير، ومن الترانسفير إلى خطاب الإبادة الجماعية، ومن إضفاء الشرعية على تخيّل القتل الجماعي للفلسطينيين إلى إمكان تحويل هذا الخيال إلى مخطّطات عملية قابلة للتنفيذ. ولا يعني ذلك المساواة بين هذه الظواهر أو إلغاء الفروق بينها، بل فهم الروابط السياسية والبنيوية التي تجعل الانتقال من التحريض إلى التخطيط للعنف أمرًا ممكنًا.
إنّ مواصلة التعامل مع هذه الحالات بوصفها أفعالًا متطرّفة وشاذّة لا تعكس المجتمع الإسرائيلي، لا تؤدّي سوى إلى طمس السياق الذي نشأت فيه والمساهمة في تطبيعه. فالمسألة لا تتعلّق بشخص تصرّف في فراغ، بل بالبنى السياسية والاجتماعية والمؤسساتية التي ساهمت، على مدار سنوات، في جعل هذه التربة خصبة، من خلال العنصرية والتحريض ونزع الإنسانية عن الفلسطينيين، والتطبيع المتزايد مع خطاب الترانسفير والعنف ضد المواطنين الفلسطينيين. وإنّ اختزال هذه الظواهر في أفراد معزولين يحجب المسؤولية البنيوية، ويحول دون مساءلة الشروط التي تسمح بإعادة إنتاجها.
وفي المقابل، تطرح هذه التطوّرات أسئلة ملحّة على المجتمع الفلسطيني في الداخل وقيادته السياسية، وفي مقدّمتها لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية، والأحزاب والحركات السياسية ومؤسسات المجتمع المدني. فالتعامل مع هذه التحدّيات لا يمكن أن يقتصر على عقد اجتماع هنا أو تنظيم ندوة أو إصدار بيان استنكار هناك، مهما كانت أهمية هذه المبادرات. فإنّ حجم المخاطر المطروحة يستدعي نقاشًا جديًّا حول بلورة مشروع وطني جماعي، وبرنامج سياسي ومؤسساتي موحّد طويل الأمد، يتجاوز ردود الفعل الظرفية إلى العمل المنظّم والمستمر. ويشمل ذلك بناء آليات منهجية لرصد التحريض العنصري والتهديدات، ومخطّطات الترانسفير والعنف الاستيطاني وتوثيقها، وتطوير إستراتيجيات قانونية وحقوقية وسياسية لمواجهتها، وتعزيز حماية المجتمع الفلسطيني ومؤسساته وحيّزه السياسي. كما يقتضي وضع تدويل قضية الفلسطينيين في إسرائيل على جدول العمل السياسي بصورة جدية ومنظّمة، من خلال بناء علاقات مستدامة مع المؤسسات الحقوقية الدولية والهيئات الأممية والأوساط الأكاديمية والحركات المناهضة للعنصرية والاستعمار، والعمل على كشف البنى والسياسات التي تتيح تنامي الفاشية والعنف الاستيطاني ومشاريع التهجير، والسعي إلى تفكيكها عبر أدوات سياسية وقانونية ومجتمعية سلمية. والأهم أن يتحوّل هذا التوجّه إلى برنامج واضح المعالم، تُحدَّد فيه المسؤوليات والأولويات وآليات المتابعة والمساءلة، بدل أن يبقى سلسلة من المبادرات المتفرّقة التي تنتهي بانتهاء الحدث الذي استدعاها.
فالقضية لم تعد تقتصر على مواجهة حادثة بعينها، أو التصدّي لتصريح عنصري أو مخطّط فردي، بل تتعلّق بالسؤال الأوسع عن كيفية حماية الوجود الفلسطيني الجماعي، أرضًا ومجتمعًا ومؤسسات وتمثيلًا سياسيًّا، في مواجهة سياسات وممارسات تهدّد شروط استمراره. ولا يمكن فهم هذه المخطّطات بمعزل عن السياق الكولونيالي الاستيطاني الأوسع الذي يتعرّض له الشعب الفلسطيني في مختلف أماكن وجوده، فما نشهده من تصاعد في خطاب الترانسفير، وتوسّع المشاريع الاستيطانية، ونزع الشرعية عن الوجود الفلسطيني في الداخل، ليس منفصلًا عن التطهير العرقي المتواصل في الضفة الغربية والإبادة الجماعية في قطاع غزة، بل يشكّل امتدادًا لسيرورات مترابطة ضمن البنية الكولونيالية الاستيطانية ذاتها، وإن اختلفت أدواتها وحدّتها وأشكال ممارستها.
ففي غزة، تتجلّى هذه البنية في القتل الجماعي والتدمير الواسع لشروط الحياة والوجود الفلسطيني؛ وفي الضفة الغربية، في التهجير القسري والاستيلاء على الأراضي والتوسّع الاستيطاني والعنف الهادف إلى اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم؛ أمّا في الداخل، فتتجلّى في محاولات إعادة تشكيل الحيّز الجغرافي والديمغرافي والسياسي، وتقييد الوجود الفلسطيني ونزع الشرعية عن حقوقه الجماعية وتمثيله السياسي، وصولًا إلى تطبيع خطاب الترانسفير والعنف ضدّه.
إنّ اختلاف أشكال العنف لا يلغي ترابط هذه السيرورات، ولا المنطق الكولونيالي الاستيطاني الذي يجمع بينها، القائم على تقويض شروط الوجود الفلسطيني الجماعي وإعادة تنظيم الأرض والسيادة والحيّز السياسي على حساب السكان الأصليين. ومن هنا، فإنّ مواجهة هذه المخطّطات لا يمكن أن تقوم على ردود فعل متفرّقة أو معالجات محلية معزولة، بل تستدعي مشروعًا سياسيًّا وحقوقيًّا جماعيًّا يدرك وحدة القضية الفلسطينية وتعدّد أشكال استهدافها، ويعمل على تدويل قضية الفلسطينيين في إسرائيل وربطها بالنضال الأوسع ضد المشروع الكولونيالي الاستيطاني والتهجير والإبادة، من دون طمس خصوصية التجارب الفلسطينية المختلفة.
وهذا يقتضي الانتقال من تشخيص الخطر إلى بناء القدرة الجماعية والمؤسساتية على مواجهته، ومن الاكتفاء بردّ الفعل إلى صياغة برنامج موحّد وطويل الأمد، تكون فيه حماية الوجود الفلسطيني وحقوقه الجماعية ومستقبله السياسي، والعمل على تفكيك البنى التي تنتج الفاشية والعنف الاستيطاني والترانسفيري، في صلب العمل الوطني والسياسي.
بروفيسورة أريج صبّاغ - خوري، أستاذة في قسم علم الاجتماع بجامعة كاليفورنيا في بيركلي، وفي قسم علم الاجتماع والأنثروبولوجيا بالجامعة العبرية في القدس، وعضو في فوروم الكرمل-منصة حوار للعمل السياسي والمجتمعي.
تابع قناتنا على واتساب