2026/11/02Last News | آخر الأخبار على مدار الساعة29° حيفا
Last News | آخر الأخبار — Last News
أخبار محلية

العنصرية كبنية نفسية اجتماعية: انعكاساتها على الضحايا وعلى من يمارسونها

هل هناك تعريف نفسي للإنسان الذي يتصرف بعنصرية؟ لا يُشخَّص معظم العنصريين نفسيًا، لأنهم غالبًا لا يعانون من اضطراب نفسي محدد، بل يتبنّون سلوكيات ومعتقدات تشكّلت عبر التنشئة الاجتماعية والثقافية وأحيانًا القوانين. قد يُظهر بعض الأفراد الذين يمارسون العنف أو يسعو

العنصرية كبنية نفسية اجتماعية: انعكاساتها على الضحايا وعلى من يمارسونها
هل هناك تعريف نفسي للإنسان الذي يتصرف بعنصرية؟
لا يُشخَّص معظم العنصريين نفسيًا، لأنهم غالبًا لا يعانون من اضطراب نفسي محدد، بل يتبنّون سلوكيات ومعتقدات تشكّلت عبر التنشئة الاجتماعية والثقافية وأحيانًا القوانين. قد يُظهر بعض الأفراد الذين يمارسون العنف أو يسعون إلى الهيمنة على الجماهير مؤشرات نفسية لاحقة مرتبطة بالضغط المزمن وآليات الحفاظ على السيطرة، إلا أن هذه المشكلات لا تُعدّ نتيجة مباشرة للسلوك نفسه، بل تُفهم في إطار التوترات البنيوية المصاحبة لأنماط الهيمنة.
يميل الشخص العنصري إلى رؤية العالم في مجموعات "نحن" مقابل "هم"، ويمنح مجموعته قيمة أعلى، مستندًا إلى صور نمطية (Stereotypes) تتعلق باللون، الشكل، المهنة، الدين، الجنس، الميول الجنسية، أو الأفكار السياسية وما شابه.
كثير من السلوكيات العنصرية تنبع من خوف أو قلق تجاه المختلف، ومن رغبة في تعزيز المكانة أو الشعور بالقوة. ومع الوقت، قد يفقد العنصري القدرة على التعاطف، ويطوّر لا إنسانية (Dehumanization) تجاه الآخرين، سواء عبر تحيّز ضمني غير واعٍ (Implicit Bias) أو تحيّز صريح معلن (Explicit Bias).
تنجح العنصرية حين تتحول من موقف فردي إلى بنية نفسية اجتماعية مكتسبة (Social-Psychological Structure) تُشرعن التمييز عبر الثقافة والمؤسسات، وتدعم التصنيف الاجتماعي، والتحيّز الإدراكي، والصور النمطية. ورغم أن العنصرية تُنتج دائرة ضرر متبادلة، فإن الأذى الأكبر يقع على المجموعات المستهدَفة.
تأثير العنصرية على الفرد والمجموعة المستهدَفة
1. تأثير العنصرية على الفرد المستهدَف
أ) المدى القصير
يتعرض الفرد لاستجابة ضغط فوري (Acute Stress Response) تشمل ارتفاع التوتر، وتسارع ضربات القلب، وصعوبة التركيز، إضافة إلى مشاعر الغضب والخوف والإذلال. وقد تظهر سلوكيات دفاعية مثل الانسحاب، والتجنّب، أو ردود فعل غاضبة. هذه الاستجابات موثقة في أبحاث الضغط الأقلّي (Minority Stress) والصدمة الاجتماعية (Social Trauma).
ب) المدى الطويل
تتراكم آثار العنصرية لتُنتج اضطرابات نفسية مثل الاكتئاب المزمن، والقلق العام، وأعراضًا شبيهة باضطراب كرب ما بعد الصدمة (Trauma-like Reaction). وقد يتبنّى الفرد صورًا نمطية سلبية عن مجموعته (Internalized Racism)، أو يعاني من انخفاض الأداء بسبب تهديد الصورة النمطية (Stereotype Threat). كما تتراجع الثقة بالمؤسسات، ويزداد التجنّب الاجتماعي، وتظهر آثار صحية طويلة المدى مثل أمراض القلب وارتفاع ضغط الدم.
2. تأثير العنصرية على المجموعة المستهدَفة
أ) المدى القصير
يتولد توتر جماعي وإحساس مشترك بالتهديد، وقد تتعزز الهوية الجمعية دفاعيًا عبر شبكات دعم أو نشاط حقوقي.
ب) المدى الطويل
تتراجع الثقة بالمؤسسات نتيجة خبرات التمييز، ما يؤدي إلى فجوات في الصحة والتعليم والدخل. وتُعيد العنصرية البنيوية (Structural Racism) إنتاج الفقر والتهميش عبر فرص أقل في العمل والسكن والتعليم. وقد يظهر العجز المتعلّم (Learned Helplessness)، أو تنشأ حركات مقاومة واحتجاج. كما تتأثر الصحة العامة للمجموعة بارتفاع الأمراض المزمنة والضغط النفسي.
تأثير العنصرية على الفرد والمجموعة التي تُمارِس العنصرية
1. تأثير العنصرية على الفرد الذي يمارسها
أ) المدى القصير
يحصل الفرد على إحساس زائف بالقوة أو السيطرة، وهو ما توضحه أبحاث التوجه نحو الهيمنة الاجتماعية (Social Dominance Orientation). وقد تُنشّط دوائر المكافأة العصبية، مع انخفاض لحظي في التعاطف نتيجة آليات اللا إنسانية (Dehumanization).
ب) المدى الطويل
تترسخ المعتقدات العنصرية ويقلّ الانفتاح على المعلومات الجديدة بسبب التحيّز التأكيدي (Confirmation Bias). يرتفع القلق الاجتماعي بسبب الخوف من فقدان المكانة، وتتدهور العلاقات المهنية والعائلية نتيجة ضعف الثقة بالآخرين. كما ترتفع العدوانية والاندفاعية، ويزداد الضغط النفسي المزمن، ما يرفع احتمالات الاكتئاب والقلق والعزلة.
2. تأثير العنصرية على المجموعة التي تمارسها
أ) المدى القصير
يتعزز التماسك الداخلي على أساس الإقصاء، ويظهر إحساس جماعي بالتفوق أو الامتياز، كما تشرح نظريات تهديد المجموعات (Intergroup Threat).
ب) المدى الطويل
تزداد الاستقطابات الداخلية والخارجية، وتتدهور الثقة الاجتماعية، وتضعف القدرة على التعاون. كما يتراجع الإبداع والابتكار بسبب انخفاض التنوع الفكري، وتزداد القرارات غير العقلانية في السياسة والاقتصاد والتعليم. وتُطبّع ثقافة العنف والتمييز، ما يضعف الاستقرار السياسي والاجتماعي ويزيد القلق الجمعي والخوف من التغيير.
العلاج
يمكن الحدّ من الفكر والسلوك العنصري عبر دمج أدوات متعددة تشمل تطبيق القانون، والتعليم، وتفعيل برامج التثقيف، ورفع الوعي، وتعزيز المجموعات المستضعفة، إضافة إلى تشجيع الاحتكاك الإيجابي بين المجموعات.
خلاصة
العنصرية ليست مجرد موقف سلبي، بل منظومة نفسية اجتماعية تُنتج آثارًا عميقة قصيرة وطويلة المدى على العنصريّ وجماعته وعلى الضحية وجماعته. تُنتج العنصرية دائرة ضرر متبادلة، لكنها تُلحق أكبر الأذى بالمجموعات المستهدَفة، وتُضعف المجتمع بأكمله على المدى الطويل. هناك أدوات فعّالة للحدّ من العنصرية، سواء في مراحلها الأولى أو بعد استفحالها، ويمكن تطبيقها عبر التشريعات، والتعليم، وبرامج التوعية، وتعزيز الاحتكاك الإيجابي بين المجموعات.
اقتراحات للتوسع في الموضوع:
المرنيسي، ف. (1991). ما وراء الحجاب: الجنس كهندسة اجتماعية. ترجمة فاطمة الزهراء أزرويل. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر.
المرنيسي، ف. (1997). الخوف من الحداثة: الإسلام والديمقراطية. ترجمة فاطمة الزهراء أزرويل. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر.
سعيد، إ. (1981). الاستشراق. ترجمة كمال أبو ديب. بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية.
فانون، ف. (2004). بشرة سوداء، أقنعة بيضاء. ترجمة خليل أحمد خليل. بيروت: دار الفارابي.
أ.د. خولة أبو بكر؛ بروفيسور في العلوم السلوكية، دكتور في علاج الزواج والأسرة. رئيسة جمعية العلاج الزوجي والأسري للمعالجين الفلسطينيين في إسرائيل.
تابع قناتنا على واتساب