أربع سنوات مضت على انتخابات الكنيست الأخيرة، وعلى تشكيل الحكومة الإسرائيلية الحالية بنسختها الفاشية. ما يعني أنها حكومة من بين قلائل الحكومات الإسرائيلية في العقود الأخيرة التي تم لائتلافها استكمال دورته الحكومية على امتداد أربع سنوات. وغير أنها الحكومة الأكثر صهيونية بنسختها اليمينية الفاشية، فإن سنوات حكمها كانت الأكثر تعبيرا عن عنصرية إسرائيل ووحشيتها، خصوصا السنوات الثلاث الأخيرة؛ بما تضمنته من إبادة في غزة، واستباحة للضفة الغربية والقدس، وحروب عدوانية على المنطقة برمتها على إثر هجوم السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023.
أي أنها حكومة جمعت بين استكمال نصابها الزمني وكامل عُصابها الأمني، ولم يسلم من وقائعها مجتمعنا العربي في الداخل طبعا، بما كشفته الوقائع من تحريض وملاحقة وترهيب في كل حيز عام وُجد فيه العرب؛ في المستشفيات، والجامعات، والحافلات، والورشات، وحتى في الأعراس في حيّز العرب الخاص كررت شرطة بن غفير مداهمتها متعمدة إهانتهم بأسلوب ممنهج في العامين الأخيرين.
واستشرت الجريمة المنظمة على عدّاد ضحاياها من أبناء مجتمعنا العربي وبناته، وتفاقمت ظاهرة دفع الخاوة التي باتت تدفع نحو هجرة عربية "طوعية" إلى خارج البلاد، أو انتقال من بلدة عربية للعيش في أخرى، أو حتى للإقامة في كبرى المدن اليهودية، وهدم لمئات البيوت العربية، منها ما صار طقسيا مع مداومة وزير الشرطة على مرافقة جرافات الهدم ومحاذاتها محتفلا بالهدم.
ولم يعد الاعتقال الإداري شأنا يخص أبناء الأراضي المحتلة عام 67 في القدس والضفة الغربية، بل طال عشرات المواطنين العرب في الداخل في أثناء حرب إبادة غزة. كما تمددت خرائط تلال قطعان "فتية التلال" من جبال نابلس وجنين إلى الجليل، الذي لم يعد من مستحى الحديث عن استكمال تهويده، تهويد النقب والجليل يقول سموتيرتش وليس تطويره كما كانت لغة الاستيطان مرة. وثمة باروخ غولدشتاين آخر محتمل لمجزرة جماعية أخرى كانت محتملة، ليس في الخليل هذه المرة، ولكن في الجليل، خطط لها أستاذ جامعي فاشي من جامعة بار إيلان هذه المرة، جرى إحباطها قبل تنفيذها.
إن كانت ممارسات حكومة نتنياهو العنصرية وطغمته الفاشية تُعد فإنها لا تحصى، وآخرها كان في شطب القوائم العربية كلها لمنعها من خوض انتخابات الكنيست القادمة، وقد أقرت المحكمة العليا في إسرائيل شطب سامي أبو شحادة بدفعه للانسحاب. كل ذلك وفّر على الأحزاب العربية بقائمتيها، المشتركة والموحدة، عبء تعبئة الناس للمشاركة في الانتخابات القادمة، فمجتمعنا العربي أكثر استعدادا للانتخابات والمشاركة فيها من أحزابه بحكم ما لمسناه في الأسابيع الأخيرة، هذا صحيح. لكن الناس أقل حماسة للسياسة والتسييس في الوقت نفسه، وهذا ما نعتبره غائبا في الحملة الانتخابية الحالية.
تبدو اللقاءات اليومية ضمن الحملة الانتخابية، التي يعقدها يوميا مرشحو قائمتينا العربيتين على شكل اجتماعات بيتية، أو مهرجانات شعبية في القرى والبلدات العربية، تبدو بروتوكولية أو "طقسية" إن صح التعبير، أكثر منها عملية وحوارية مع الناس، وذلك طالما يظلّ الناخب المدعو للّقاء الانتخابي طريح خطابات المرشحين ورفاقهم في الأحزاب، ونحن من بينهم.
كما لا يعكس حجم الحضور الشعبي في هذه اللقاءات بالضرورة حجم استعداد مشاركة الناس في الانتخابات القادمة، خصوصا وأن ثمة شريحة واسعة من جيل الشباب غير محزبة ولا مسيسة أصلا، إذا تعنيها الانتخابات القادمة نفسها أكثر مما يعنيها الاجتماع بالأحزاب ومرشحيها. كما تكشف لنا اللقاءات اليومية للحملة ضعف الحضور الشبابي، وأكثر منه النسائي في كثير من قرانا وبلداتنا العربية، وليس هذا المستجد، إنما المستجد هذه المرة هو وضوح حالة "الاهتمام بالانتخابات في ظل عدم اكتراث للسياسة"، أو لنقل "أكثر استعدادا للتجييش وأقل استعدادا للتسييس" حول الانتخابات القادمة، وموقعنا منها وفيها كجماعة سياسية مستهدفة.
وفي لقاء انتخابي متجاوز للّقاءات التقليدية الجارية في الحملة، أطلق عليه تسمية لقاء "ساعة سين/جيم" مع أحد مرشحي القائمة المشتركة، في أحد المقاهي داخل البلدات العربية، إذ يتيح هذا الشكل من اللقاءات للحملة الانتخابية أمرين أساسيين: الأول، التماسّ والاحتكاك مع جيل الشباب تحديدا، لأن رواد المقاهي أكثرهم شباب. والثاني، إمكانية سؤال المرشح ومساءلته إلى حد استجوابه ومعاتبته، ليس شخصيا إنما بوصفه مرشحا، وبأسلوب عفوي غير متكلف تتيحها أجواء المقهى بشعبيتها، ما يجعل المرشح وحزبه الذي ينتمي إليهة وقائمته المرشح فيها أمام أسئلة مباشرة، تحيل الإجابة عليها للحديث في السياسة أكثر مما تحيل للانتخابات نفسها.
وتكشف الاجتماعات البيتية والشعبية للحملة الانتخابية خلال الأسابيع الأخيرة، عن حجم الهوة ما بين الانتخابي والسياسي التي بات عليها مجتمعنا العربي في السنوات الأخيرة. هوة، تجعل من الانتخابات تبدو كما لو أنها حل بذاتها لأزمة واقعنا السياسي والاجتماعي والمعيشي، في حين أن تسييس الحملة والناس فيها هو ما يجب استغلال الانتخابات من أجله لجعل هذه الأخيرة، وموقفنا فيها ومنها، خطوة في مسار مواجهة المرحلة، أي مواجهة اليمين الفاشي كحالة بدت تعم إسرائيل، وليس اليمين كائتلاف حكومي يحكم إسرائيل.
مجتمعنا العربي: ما بين الانتخابي والسياسي
أربع سنوات مضت على انتخابات الكنيست الأخيرة، وعلى تشكيل الحكومة الإسرائيلية الحالية بنسختها الفاشية. ما يعني أنها حكومة من بين قلائل الحكومات الإسرائيلية في العقود الأخيرة التي تم لائتلافها استكمال دورته الحكومية على امتداد أربع سنوات. وغير أنها الحكومة الأكثر
