في خطاب انتخابي جديد في 18.10.2026، يوجّه منصور عباس نقدًا ساخرًا إلى الأحزاب العربية الأخرى، ولا سيما التجمع الوطني الديمقراطي، معتبرًا أن مطالب مثل إنهاء الاحتلال وتحقيق السلام وإلغاء يهودية الدولة، وإن كانت مطالب "رائعة"، ليست سوى شعارات غير واقعية في السياسة الإسرائيلية الراهنة. لكن ما يبدو خلافًا حول الإستراتيجيات السياسية يطرح سؤالًا أعمق: من يحدّد ما هو واقعي، ومن يملك سلطة تعريف المطالب الفلسطينية بوصفها ممكنة أو مستحيلة؟ يكتسب هذا السؤال أهمية خاصة في ظل الإبادة في غزة، واستمرار توغل الممارسات الكولونيالية الاستيطانية في الضفة الغربية والقدس وغزة وفي الداخل، والتضييق المتزايد على المجال السياسي للفلسطينيين في إسرائيل.
ليست المشكلة في الاعتراف بصعوبة تحقيق المطالب الوطنية في الظروف الراهنة، بل في الانتقال من توصيف هذه الصعوبة إلى اختزال المطالب نفسها في شعارات. فثمة فرق جوهري بين القول إن إنهاء الاحتلال ليس ممكنًا اليوم، والتعامل مع المطالبة بإنهائه بوصفها خطابًا يتعارض مع السياسة الواقعية، والأخطر هو تحويل حدود ما تقبله المؤسسة الإسرائيلية إلى معيار لتحديد ما يحق للفلسطينيين المطالبة به.
من المشروع مناقشة حدود العمل البرلماني، وقدرة الأحزاب العربية على انتزاع مكاسب مدنية، لكن ثمة فرق بين الممكن السياسي، الذي تحدّده موازين القوى الصهيونية في لحظة تاريخية معينة، والمشروع السياسي الذي يسعى إلى تغيير هذه الموازين، فالبراغماتية لا تعني اختزال السياسة في ما تسمح به المؤسسة الإسرائيلية، بل تطوير إستراتيجيات تستجيب للواقع دون التسليم بحدوده.
إن المواطنة الفلسطينية في إسرائيل لم تتشكّل خارج البنية الكولونيالية الاستيطانية، بل داخلها، بما تتضمنه من تفاوت في توزيع الحقوق والموارد والسيادة وملكية الأرض والانتماء السياسي. ولذلك، فإن نقد يهودية الدولة ليس مطلبًا رمزيًّا، بل مساءلة للبنية التي تنظّم علاقات القوة بين اليهود الإسرائيليين والفلسطينيين. ولا يمكن فصل المطالب المدنية اليومية عن هذه البنية، أو افتراض إمكانية معالجة نتائج التمييز والتهميش دون مساءلة شروط إنتاجهما.
وفي زمن الإبادة في غزة، لا يمكن فصل المواطنة عن الانتماء الوطني، ولا تحسين شروط حياتنا عن حقوق شعبنا. فالعنف والجريمة، وهدم البيوت، ومصادرة الأراضي، والتفاوت في الحماية والموارد، ليست مجرد مشكلات إدارية منفصلة عن السياق السياسي الأوسع. وإن مسؤوليتنا تجاه مجتمعنا تقتضي تحسين ظروف حياته اليومية، لكنها تقتضي أيضًا رفض التعامل مع الإبادة والاستعمار والتهجير بوصفها قضايا خارجية لا تتصل بمصيرنا الجماعي.
وتكتسب تصريحات عباس دلالة سياسية وأخلاقية إضافية في سياق محاولة إقصاء سامي أبو شحادة عن الترشح للكنيست، وما تلاها من انسحابه. ففي لحظة يتعرض فيها التمثيل السياسي الفلسطيني للتضييق والإقصاء، كان الأجدر توجيه النقد إلى الدولة والأحزاب الصهيونية والمنظومة القضائية التي تكرّس علاقات الهيمنة والأبارتهايد، والتضامن مع أبناء شعبه في مواجهة هذه الممارسات. لكن عباس، بدلًا من ذلك، يستثمر هذه اللحظة في المناكفة الحزبية، ويوجّه سهام نقده إلى التجمع ومشروعه السياسي، لا إلى المؤسسات المسؤولة عن التضييق على حق الفلسطينيين في التمثيل السياسي. وهنا تكمن خطورة نمط سياسي ينبغي مجابهته: تحويل الإقصاء الذي تمارسه الدولة إلى فرصة لتصفية الحسابات الداخلية، بدل أن يكون دافعًا للتعاضد والتضامن الوطني في مواجهة السياسات الاستعمارية التي تستهدف الجميع.
ولا يعني نقد خطاب عباس إعفاء مشروع التجمع من النقد؛ فبعد انهيار أفق أوسلو وتآكل إمكانات حل الدولتين، لم يعد كافيًا إعادة طرح مشروع دولة جميع مواطنيها بالصيغة التي تبلور بها تاريخيًّا، دون إعادة التفكير في موقعه ضمن مشروع فلسطيني أشمل لنزع الاستعمار. فالسؤال اليوم لا يتعلق فقط بطبيعة المواطنة داخل إسرائيل، بل بعلاقتها بالسيادة وتقرير المصير، وبوحدة الشعب الفلسطيني رغم تفتيته سياسيًّا وجغرافيًّا، وبمستقبل النظام السياسي في فلسطين التاريخية. هذا نقد يسعى إلى تطوير المشروع التحرري، لا إلى اختزاله في شعارات.
لكنّ التناقض الأعمق في خطاب منصور عباس يكمن في مشروعه السياسي نفسه، لا في نقده لمشروع التجمّع؛ فحين يقبل بتعريف الدولة باعتبارها دولة يهودية، ويتعامل مع الإجماع الصهيوني بوصفه الإطار الذي ينبغي العمل ضمنه، فإنه يتجاهل السؤال الجوهري: كيف يمكن تحقيق المساواة والمصالح الأساسية للمواطنين الفلسطينيين في دولة تمنح الأفضلية القومية لليهود، وتُخضع الفلسطينيين لسياسات التمييز والإقصاء؟ والمفارقة أن هذا القبول لا يحمي عباس نفسه من الإقصاء؛ إذ تواصل قوى مركزية في المشهد السياسي الصهيوني، بما فيها قوى المعارضة، إعلان رفضها إشراكه في ائتلاف حكومي، رغم نهجه السياسي التصالحي.
وهذا يكشف أن الإقصاء لا يقتصر على الفلسطينيين الذين يتحدّون الطابع اليهودي للدولة، بل يطال أيضًا من يقبلون العمل ضمن حدوده. والأهم أن هذا الإقصاء الخطابي، بصرف النظر عن نتائج الانتخابات أو إمكان تبدّل التحالفات بعدها، ليس مجرد موقف انتخابي عابر؛ بل ممارسة سياسية متواصلة تعيد إنتاج نزع الشرعية عن الفلسطيني بوصفه شريكًا سياسيًّا متساويًا، وتساهم في ترسيخ المناخ الذي تتنامى فيه الفاشية والفصل العنصري داخل المجتمع الإسرائيلي.
ومن هذا المنظور تكمن إشكالية مشروع عباس، حتى بالنسبة إلى جمهور الموحّدة نفسه، في أنه يسعى إلى تحقيق مصالح الناس عبر التكيّف مع الإجماع السياسي الذي يقيّد حقوقهم/ن وشرعية تمثيلهم/ن. وهنا نعود إلى الادعاء المركزي: إن اختزال السياسة الفلسطينية في تحسين شروط الحياة ضمن علاقات السيطرة القائمة، بدلًا من تحدّي هذه العلاقات، لا يتجاوز حدود الإقصاء، بل يخاطر بالمساهمة في إعادة إنتاجها، حين تتحوّل حدود الإجماع الصهيوني إلى حدود للمطالب الفلسطينية وللخيال السياسي الفلسطيني نفسه.
ولا يقتصر أثر هذا الخطاب على التنافس الانتخابي، بل يمتد إلى نوع الوعي السياسي الذي نساهم في إنتاجه لدى أبنائنا وبناتنا والأجيال الشابة؛ فحين تُقدَّم العدالة والمساواة وإنهاء الاحتلال باعتبارها مطالب غير واقعية، نخاطر بتربية أجيال تتعامل مع علاقات القوة القائمة بوصفها قدرًا لا يمكن تغييره.
وحين يُقصى أحد أحزابنا أو قياداتنا السياسية، فإن مسؤوليتنا تقتضي تنشئة الأجيال على رفض الإقصاء والتعاضد السياسي رغم الاختلافات الحزبية، لا على التشفي وتوظيف محنة الآخر في المنافسة السياسية، بما يعمّق الانقسامات ويساهم في تفكيك نسيجنا المجتمعي. إن مسؤوليتنا ليست فقط تحسين شروط حياة أبنائنا وبناتنا، بل الحفاظ أيضًا على قدرتهم/ن على تخيّل مستقبل مختلف، وعلى الاعتزاز بتاريخهم/ن وانتمائهم/ن وحقوقهم/ن.
وليست البراغماتية السياسية نقيضًا للمبادئ، بل تكمن قيمتها في القدرة على ترجمتها إلى إستراتيجيات وممارسات تستجيب للواقع وتسعى إلى تغييره. أما حين تصبح مواقف الأحزاب الصهيونية وحدود ما تسمح به الدولة اليهودية الكولونيالية الاستيطانية معيارًا لما يحق للفلسطينيين المطالبة به، فإننا نخاطر بقبول علاقات الاستعلاء والفصل العنصري التي تنظّم العلاقة بين الدولة والمجتمع اليهودي والفلسطيني، بدلًا من العمل على تغييرها.
وحين تتحول محاولات إقصاء أحزابنا وقياداتنا إلى فرص للمناكفة السياسية والتشفي بدلًا من التضامن في مواجهتها، فإننا نساهم في تعميق الانقسامات الداخلية وإضعاف قدرتنا على الفعل السياسي الجماعي. وهنا يكمن الفرق بين البراغماتية التي تسعى إلى تحسين شروط حياتنا دون التنازل عن حقوقنا، والانتهازية السياسية التي تجعل المكاسب الآنية مبررًا للتخلي عن المبادئ والتضامن الوطني.
فالسؤال ليس فقط عمّا يمكن تحقيقه اليوم، بل عمّن يحدّد الممكن السياسي: هل هي الدولة اليهودية وأحزابها ومؤسساتها التي تكرّس التفوق العرقي اليهودي، أم نضالنا من أجل المساواة والعدالة وإنهاء الاستعمار والفصل العنصري؟
بروفيسورة أريج صبّاغ - خوري، أستاذة في قسم علم الاجتماع بجامعة كاليفورنيا في بيركلي، وفي قسم علم الاجتماع والأنثروبولوجيا بالجامعة العبرية.
من يحدّد الممكن؟ عن البراغماتية وحدود السياسة الفلسطينية وخطاب منصور عباس
في خطاب انتخابي جديد في 18.10.2026، يوجّه منصور عباس نقدًا ساخرًا إلى الأحزاب العربية الأخرى، ولا سيما التجمع الوطني الديمقراطي، معتبرًا أن مطالب مثل إنهاء الاحتلال وتحقيق السلام وإلغاء يهودية الدولة، وإن كانت مطالب "رائعة"، ليست سوى شعارات غير واقعية في السيا
