2026/11/05Last News | آخر الأخبار على مدار الساعة23° حيفا
Last News | آخر الأخبار — Last News
عربي ودولي

الحكومات هي المسؤولة وليس "النوّاب العرب"

من المفارقات في وضعنا السياسيّ أن السلطة الإسرائيليّة نجحت في العموم، وفي السنوات الأخيرة بوجه خاص، في تحويل "النوّاب العرب" إلى درع بشريّ تحتمي به من غضب العرب الفلسطينيّين هنا، وتوجّه قسطًا من هذا الغضب إلى "النوّاب العرب" وكأنهم المسؤولون عن تدهور الحال في

الحكومات هي المسؤولة وليس "النوّاب العرب"
من المفارقات في وضعنا السياسيّ أن السلطة الإسرائيليّة نجحت في العموم، وفي السنوات الأخيرة بوجه خاص، في تحويل "النوّاب العرب" إلى درع بشريّ تحتمي به من غضب العرب الفلسطينيّين هنا، وتوجّه قسطًا من هذا الغضب إلى "النوّاب العرب" وكأنهم المسؤولون عن تدهور الحال في البلدة والمجتمع العربيَّيْن. وصارت قطاعات من الناس تُحاسب هؤلاء النواب وكأنهم حكومة ودولة أو ممثلون رسميّون لها، علمًا بأنّهم معارضة برلمانية في برلمان مقسوم ليس حسب الآراء ووجهات النظر، بل مقسوم في أساسه بين غالبية يهودية عُظمى وأقليّة عربيّة فلسطينيّة. وسؤال "ماذا فعل لنا النواب العرب؟" هو محصّلة هذه الصورة التي رسمتها المؤسّسة للنواب العرب والقيادات العربيّة عمومًا لتختبئ هي من ورائها. في عمق هذه الصورة نهج كولونياليّ معروف، وهو اتّهام أهل البلاد الأصليين بأحوالهم سعيًا إلى تبرئة الكولونيالي ومنظومته. أو اتّهام "ثقافتهم" مثلًا بتفشّي الجريمة المنظّمة والعنف والتقتيل، علمًا بأنّها المسؤوليّة الأولى والأخيرة للمؤسسة التي تمتلك حصريًّا حقّ إنفاذ سلطة القانون وحفظ الأمن الشخصيّ والعام.
لم أرَ النواب العرب وأحزابهم يبذلون جهدًا للخروج من هذا "الدور" وهذا الموضع الذي يصير فخًّا عشيّة كلّ انتخابات. يتلقون حجارة الناس التي تتّهمهم بكلّ ما ينبغي أن تُتّهم به الحكومات الإسرائيليّة المتعاقبة والنُخب اليهودية العنصريّة بوصفها نُخبًا استعماريّة بامتياز تفرض سيادتها بالقوّة وتخلق واقعًا بعينه في مجتمع السكان الأصليين. فهذه النُخب هي هي التي أسّست وأدارت دولة قامت على أنقاض الشعب الفلسطينيّ ووطنه. وهي هي التي واصلت سياسات الأوّلين الذين صادروا الأرض وخنقوا البلدات العربيّة وصادروا المياه وموارد البلاد ووضعوها تحت تصرّف اليهود وحرموا منها أصحابها التاريخيّين. الحكومات هي التي سنّت في العقد الأخير نحو 50 قانونًا وتعديلًا يستعدي العرب ويحوّلهم إلى أعداء. وهي هي التي شرّعت قانون كمينتس وقانون القوميّة. وهي التي تشجّع العنف والجريمة المنظّمة وتغطّيها. وهي التي تحرّض على العرب صباح مساء، وهي التي تسعى إلى نزع إنسانية العرب وشرعيتهم السياسيّة!
إذن، كيف نجحت، وهي النُخب التي أمعنت تقتيلًا في الشعب الفلسطيني وحروبًا على غزة ولبنان وتكريسًا للاحتلال والإبادة، في وضع النوّاب العرب ومن ورائهم النُخب العربيّة "درعًا بشريًّا" لها؟ كيف حصل أن كلّ مشاكل المجتمع العربي الناتجة عن فشل الدولة أو سياساتها المتعمّدة تُحمّل مسؤوليتها للنواب العرب ويقتنع بذلك قطاع من الناس؟
سؤال يكشف مدى قُدرة السلطة على تصميم الوعي العام للعرب الفلسطينيين في إسرائيل وعمومًا، وجعلهم يُردّدون ما تبثّه السلطة ورموزها وما يبثّه ويطنطن به الإعلام العبريّ ووسائله المسمومة.
لم تولد الظاهرة اليوم، لكنها تطوّرت ونشأت في مبنى قوّة يميل لصالح السلطة الإسرائيلية وأدواتها. ومن نتائجها امتناع قطاعات عربيّة عن التصويت لأنها تتّهم النواب العرب ولا ترى عبرهم عقودًا من العنصريّة والقهر والقمع بشتّى الوسائل. ومن نتائجها مشاركة قطاعات من النُخب العربيّة في عمليات قتل "النواب العرب" والقيادات العربية كجزء من تبنّي رواية السلطة بوعي منها و/أو بغير وعي. لكن علينا أن نقرّ بوجود نزعة بنيوية في نفس المقهورين إلى الامتناع عن مواجهة القاهرين بشكل مباشر واختيار أنفسهم عنوانًا للخلل في الواقع والحياة. فكثيرًا ما نسمع "بس الحقّ علينا"! جملة شائعة تعكس العجز عن مواجهة الجمل فنتّهم الجمّال.
الوعي السياسيّ والوطنيّ والإنسانيّ النقديّ في صورته الأوضح هو أن يمتنع واحدنا وواحدتنا في كلّ الظروف وبدون استثناءات عن تصديق السلطة ورموزها فيما رسمته من صورة للواقع وأسباب التردّي فيه وللنوّاب العرب والقيادات. ومن الخطأ والخطيئة الاصطفاف معها والذهاب إلى الإعلام العبريّ "المحايد" و"الموضوعي" للمشاركة في حفلات "شيطنة" النوّاب العرب كما درج على ذلك البعض أو حتّى منصور عبّاس نفسه الذي يعتمد منهج محاربة زملائه من النوّاب والأحزاب المنافسة بدل أن يتواجه مع منظومة القهر والتفوّق العرقيّ.
خيانة أخلاقيّة الانضمام إلى جوقة اليمين والنُخب اليهودية التي لم تترك جريمة لم ترتكبها بحقّنا وبحقّ شعبنا في حربها الدعائية المسمومة ضد "النواب العرب".
الوعي السياسي والوطني والإنساني النقديّ الحقيقيّ يفكك سياسات السلطة ويرفضها جُملة وتفصيلًا ويكشف "أنساقها" التي نسخت نفسها إلى مجتمعنا عشيّة الانتخابات أو بشكل عام. المؤسسة التي ترتكب مليون جريمة في اليوم وتشنّ الحرب تلو الأخرى وترتكب أفظع جرائم الحرب هي المسؤولة عن الواقع تحت سيادتها. أمّا النوّاب العرب فعادة ما كانوا مع شعبهم في ساحات النضال يسعون لردّ أذاها وأضرارها. هذه هي صورة الوضع الحقيقيّة.
تابع قناتنا على واتساب