2026/11/05Last News | آخر الأخبار على مدار الساعة24° حيفا
Last News | آخر الأخبار — Last News
عربي ودولي

"نزع الشرعية عن الصوت العربي": كيف يتحوّل إقصاء الأحزاب العربية إلى إستراتيجية انتخابية؟

تكشف ورقة موقف أصدرها مركز "إعلام"، المركز العربي للحريات الإعلامية والتنمية والبحوث، عن تصاعد الخطاب السياسي الموجّه ضد المجتمع العربي وممثليه في أعقاب تحديد موعد انتخابات الكنيست، في سياق تسعى فيه قوى سياسية إلى تحويل إقصاء الأحزاب العربية من المشهد الحكومي

"نزع الشرعية عن الصوت العربي": كيف يتحوّل إقصاء الأحزاب العربية إلى إستراتيجية انتخابية؟
تكشف ورقة موقف أصدرها مركز "إعلام"، المركز العربي للحريات الإعلامية والتنمية والبحوث، عن تصاعد الخطاب السياسي الموجّه ضد المجتمع العربي وممثليه في أعقاب تحديد موعد انتخابات الكنيست، في سياق تسعى فيه قوى سياسية إلى تحويل إقصاء الأحزاب العربية من المشهد الحكومي إلى جزء من المعركة الانتخابية، وإلى فرض قيود مسبقة على إمكان مشاركتها في تشكيل الأغلبية البرلمانية.



وتشير الورقة، الصادرة في تشرين الأول/ أكتوبر 2026، إلى أن الخطاب المتصاعد لا يقتصر على مهاجمة الأحزاب العربية أو التشكيك في مواقفها السياسية، بل يمتد إلى استهداف شرعية الشراكة معها، وتصوير الاستناد إلى أصوات الناخبين العرب وممثليهم باعتباره نقطة ضعف سياسية وأخلاقية لدى المعارضة. ووفق تحليل المركز، يساهم هذا الخطاب في تكريس تصور إقصائي يفصل بين حق المواطنين العرب في التمثيل البرلماني وبين حق ممثليهم في التأثير على تشكيل الحكومة والسياسات العامة.
وتستند الورقة إلى مقارنة بين فترتين متساويتين، امتدت كل منهما تسعة أسابيع، قبل تحديد موعد الانتخابات في 12 تموز/ يوليو 2026 وبعده. وشمل الرصد 264 منشورًا على منصة "إكس"، اختيرت منها المنشورات المرتبطة بالمجتمع العربي وممثليه، إلى جانب عينة ضمت 72 اقتباسًا لقيادات من حزب الليكود في خمس وسائل إعلام.
وتُظهر نتائج الرصد ارتفاع عدد المنشورات المتعلقة بالمجتمع العربي وممثليه إلى أكثر من الضعف، بالتزامن مع ارتفاع حصتها من مجموع المنشورات المرصودة من 13.6% إلى 20.8%. وفي العينة الإعلامية التي تناولت تصريحات قيادات الليكود، ارتفع المعدل الأسبوعي للتصريحات إلى نحو 4.1 أضعاف مستواه السابق، فيما اتسعت دائرة المتحدثين إلى ثلاثة أضعاف عددهم في الفترة السابقة.
وبحسب الورقة، فإن دلالة هذه المعطيات لا تكمن في حدّة الخطاب وحدها، بل في زيادة كثافة الرسائل وتكرارها واتساع دائرة الشخصيات السياسية التي تتبناها. فالتصعيد، وفق تحليل المركز، لم يبدأ مع تحديد موعد الانتخابات، إذ كان الخطاب الإقصائي حاضرًا من قبل، لكن المرحلة الانتخابية شهدت تكثيفًا له وتقاربًا أكبر بين مضامين الرسائل، بما تعتبره الورقة مؤشرات إلى حملة ذات ملامح منسّقة.
تجريم الشراكة مع الأحزاب العربية
تتمحور إحدى أبرز خلاصات الورقة حول مساعي تصوير الشراكة السياسية مع الأحزاب العربية باعتبارها عبئًا أو تهديدًا، بدل التعامل معها بوصفها جزءًا من التنافس البرلماني ومن حق المواطنين العرب في المشاركة السياسية والتأثير في القرارات الحكومية.
وتشير بيانات الرصد إلى ارتفاع عدد الإشارات الرافضة لمشاركة القائمة الموحدة والأحزاب العربية في الحكومة إلى 11 ضعفًا، مقارنة بالفترة السابقة، فيما ارتفعت الإشارات التي تربط النواب العرب بالإرهاب إلى 16 ضعفًا. كذلك ارتفع عدد الرسائل التي تصوّر "معسكر التغيير" باعتباره متساهلًا مع العرب ومعتمدًا على أصواتهم إلى 5.5 أضعاف. وتنبّه الورقة إلى أن التصريح الواحد قد يتضمن أكثر من رسالة، وهو ما ينبغي أخذه في الاعتبار عند قراءة هذه الأرقام.
وتعكس هذه المعطيات، وفق تحليل المركز، انتقالًا من استهداف مواقف سياسية محددة إلى التشكيك في شرعية الشراكة السياسية نفسها. فعندما تُقدَّم مشاركة الأحزاب العربية في تشكيل الحكومة بوصفها خطرًا أمنيًا أو تنازلًا سياسيًا، تصبح العلاقة مع هذه الأحزاب أداة ضغط على خصوم اليمين، ويُدفع النقاش العام بعيدًا عن البرامج والسياسات نحو اختبار الولاء السياسي على أساس الموقف من المواطنين العرب وممثليهم.
ولا تقتصر آثار هذا الخطاب على جمهور اليمين أو على التصريحات الصادرة عن قياداته، إذ ترى الورقة أن مواقـف المعارضة نفسها تشكّل ساحة أساسية يتحدد فيها مدى نجاح خطاب الإقصاء في فرض قواعده على المنافسة الانتخابية.
المعارضة أمام معادلة الإقصاء والأغلبية
تتناول الورقة التناقض بين حاجة بعض قوى المعارضة إلى المقاعد العربية من أجل الوصول إلى أغلبية برلمانية، وبين تعهدات تصدر عن قيادات فيها باستبعاد الأحزاب العربية من الحكومة أو رفض الاعتماد عليها.
وتكتسب هذه المفارقة أهمية خاصة في ظل الحسابات الانتخابية التي قد تجعل أصوات الأحزاب العربية حاسمة في تحديد هوية الحكومة المقبلة. فحين يُطرح استبعاد هذه الأحزاب مسبقًا باعتباره شرطًا سياسيًا، تصبح قدرة المعارضة على تشكيل حكومة خاضعة لقيد تفرضه على نفسها، حتى في الحالات التي تحتاج فيها إلى هذه المقاعد لتحقيق الأغلبية.
وبحسب الورقة، فإن تبنّي المعارضة مواقف إقصائية يمنح الخطاب الذي يروّجه اليمين شرعية تتجاوز قاعدته الانتخابية المباشرة، ويساهم في تثبيت فكرة أن الأحزاب العربية يمكن أن تكون ممثلة في الكنيست، لكن مشاركتها في اتخاذ القرارات أو في تشكيل الحكومة تظل موضع اعتراض مسبق.
وفي الوقت نفسه، لا تنسب الورقة جميع المواقف الإقصائية إلى التصعيد الذي أعقب تحديد موعد الانتخابات، مشيرة إلى أن بعض هذه المواقف كان قائمًا قبل الفترة التي شملها الرصد. ويعني ذلك أن التصعيد الانتخابي يجري ضمن سياق سياسي أوسع، تتداخل فيه المواقف السابقة مع محاولات توظيفها وتكثيفها خلال المنافسة على الحكم.
من إقصاء التمثيل إلى استهداف الأرض والسكن والعمل
لا يحصر الرصد مظاهر الخطاب الإقصائي في العلاقة بين الأحزاب العربية والحكومة، بل يشير إلى امتداده إلى قضايا الأرض والسكن والعمل، وإلى ملفات ترتبط مباشرة بالحياة اليومية للمواطنين العرب.
وتُظهر البيانات ارتفاع المنشورات المتعلقة بما تصفه الورقة بـ"تهويد النقب والجليل" إلى أكثر من أربعة أضعاف مستواها في الفترة السابقة. كما ترصد تقديم عمليات هدم المباني وتحويل موازنات التطوير إلى أجهزة الأمن بوصفها إنجازات سياسية، إلى جانب تصريحات تستهدف أطباء عربًا وتوسّع دائرة الاشتباه على أساس الانتماء القومي.
وتناقش الورقة، في هذا السياق، كيفية توظيف قضايا مدنية واجتماعية، من بينها السكن والتطوير والجريمة، ضمن خطاب أمني قومي. فبدل معالجة هذه القضايا في إطار الحقوق والخدمات العامة والمساواة في توزيع الموارد، يجري تقديمها أحيانًا من خلال تصنيفات أمنية أو قومية تعيد إنتاج التمييز بين المواطنين.
وتبرز قضية الجريمة في المجتمع العربي بوصفها أحد الأمثلة التي تتناولها الورقة، إذ ترصد انتقال الخطاب من التعامل معها باعتبارها أزمة تتعلق بأمن السكان وحمايتهم إلى مقاربتها باعتبارها مسألة أمنية ذات أبعاد قومية. وترى الورقة أن هذا التحول في طريقة التأطير قد يسهم في تهميش مطالب المجتمع العربي المتعلقة بالحماية والمساءلة وتوفير الموارد اللازمة لمواجهة الجريمة.
كما تشير إلى انتقال بعض مظاهر الإقصاء من الخطاب السياسي والإعلامي إلى المجال المؤسسي، من خلال طلبات الشطب الانتخابي التي تستهدف ممثلين عربًا. ووفق هذا الطرح، لا يقتصر الصراع على مضمون التصريحات أو على فرص الأحزاب في الائتلاف الحكومي، بل يمتد إلى حدود التمثيل السياسي نفسه، ومن يملك حق المشاركة فيه وشروط هذه المشاركة.
المشاركة العربية بين الاحتجاج والشعور بانعدام التأثير
وتطرح الورقة تساؤلات بشأن انعكاسات هذا الخطاب على المشاركة السياسية للمواطنين العرب، من دون الجزم باتجاه محدد أو افتراض وجود علاقة سببية مباشرة بين تصاعد الخطاب الإقصائي وتغيّر نيات التصويت.
فقد يؤدي استبعاد الأحزاب العربية من الحسابات الحكومية، والتشكيك المتكرر في شرعية تأثيرها السياسي، إلى تعزيز الشعور بانعدام الجدوى من المشاركة في العملية الانتخابية، خصوصًا لدى من يرون أن أصواتهم لن تنعكس على تشكيل الحكومة أو على السياسات التي تمس حياتهم اليومية.
وفي المقابل، قد يدفع الخطاب نفسه قطاعات من الناخبين إلى المشاركة الاحتجاجية، انطلاقًا من الرغبة في مواجهة محاولات الإقصاء وإيصال رسالة سياسية عبر صناديق الاقتراع. غير أن الورقة لا تقدّم أدلة تثبت أن أحد هذين المسارين سيتحقق بالفعل، ولا تستخلص نتائج حاسمة بشأن أثر الحملة على مواقف الأحزاب أو اتجاهات التصويت.
وتشدد هذه الحدود المنهجية على أهمية التمييز بين ما توثقه بيانات الرصد من تصاعد في حجم الخطاب وتكراره، وبين ما يمكن استنتاجه بشأن تأثيره الفعلي على سلوك الناخبين أو على نتائج الانتخابات.
الانتخابات بوصفها ساحة لإعادة رسم حدود الشرعية السياسية
تخلص ورقة الموقف إلى أن التصعيد المرصود يعمّق نزعات إقصائية قائمة ويوظفها في الصراع على الحكم، من خلال محاولة الفصل بين حق المجتمع العربي في التمثيل البرلماني وبين شرعية مشاركة ممثليه في تشكيل الأغلبية الحكومية.
وفي هذا الإطار، لا يعود الخلاف محصورًا في البرامج السياسية أو في التنافس على المقاعد، بل يتصل أيضًا بتحديد من يُسمح له بأن يكون شريكًا في الحكم، ومن تُقدَّم مشاركته باعتبارها تهديدًا ينبغي استبعاده مسبقًا.
وتشير نتائج الرصد إلى أن اقتراب الانتخابات رافقه ارتفاع ملحوظ في حجم الخطاب المتعلق بالمجتمع العربي وممثليه، واتساع في دائرة الشخصيات السياسية التي تروّجه، وتصاعد في الرسائل الرافضة للشراكة السياسية مع الأحزاب العربية. وترى الورقة أن هذه المؤشرات تستدعي قراءة الخطاب الانتخابي ليس فقط من زاوية مضمونه، بل أيضًا من حيث كثافته وتكراره، والجهات التي تتبناه، والطريقة التي ينتقل بها من خطاب حزبي إلى معيار يُستخدم في تقييم شرعية المنافسين السياسيين.
وبينما لا تحسم الورقة أثر هذه الحملة على سلوك الناخبين أو على نتائج الانتخابات، فإنها تضع مسألة إقصاء الأحزاب العربية في صلب النقاش بشأن طبيعة المنافسة السياسية وحدود المشاركة الديمقراطية، وتسلط الضوء على التوتر القائم بين التمثيل البرلماني للمواطنين العرب وبين محاولات الحد من تأثيرهم في تحديد هوية الحكومة المقبلة.
تابع قناتنا على واتساب