2026/11/05Last News | آخر الأخبار على مدار الساعة22° حيفا
Last News | آخر الأخبار — Last News
عربي ودولي

ما وراء المشاركة والمقاطعة.. نحو إعادة تأطير الخطاب السياسي واستعادة المبادرة الوطنية

لم يكن ثمة ما يستدعي رفع حدة النقاش بين أنصار المشاركة في الانتخابات وأنصار المقاطعة إلى مستوى التشنج والتخوين المتبادل، وكأننا أمام معسكرين متناقضين في كل شيء، لا أمام قوى تتباين في تقديراتها السياسية، لكنها تواجه واقعًا تاريخيًّا واحدًا يزداد تعقيدًا وخطورة

ما وراء المشاركة والمقاطعة.. نحو إعادة تأطير الخطاب السياسي واستعادة المبادرة الوطنية
لم يكن ثمة ما يستدعي رفع حدة النقاش بين أنصار المشاركة في الانتخابات وأنصار المقاطعة إلى مستوى التشنج والتخوين المتبادل، وكأننا أمام معسكرين متناقضين في كل شيء، لا أمام قوى تتباين في تقديراتها السياسية، لكنها تواجه واقعًا تاريخيًّا واحدًا يزداد تعقيدًا وخطورة يومًا بعد يوم، وتعيش تداعياته الخطيرة.
وأميل بصراحة إلى تحميل بعض أنصار المشاركة المسؤولية الأكبر عن تصعيد هذا الجدل، وإن كان ذلك لا يعفي أحدًا من مسؤولية الحفاظ على الحد الأدنى من الاحترام المتبادل، ولا سيما في هذه المرحلة الحرجة. هنا أخرج ذلك التيار، أو قيادته، التي اختارت أن تتحالف مع الظالم بدل التحالف مع شعبها، من ضوابط النقاش.
ويمكن العودة في هذا السياق إلى البيان الأول لحركة أبناء البلد (أواخر آب/ أغسطس الماضي)، الذي اتسم بالهدوء ولم يتضمن دعوة إلى حملة شاملة ومنظّمة للمقاطعة، بقدر ما أعاد تأكيد موقفها المبدئي من المشاركة في انتخابات مؤسسات الدولة الإسرائيلية. وهذا حقها السياسي والفكري، حتى إن اختلف الكثيرون مع تقديرها للظرف الراهن. وقد عكس هدوء البيان في تقديري إدراكًا لخطورة اللحظة وتعقيداتها، ولحقيقة أنّ قطاعًا واسعًا من الناس يتجه إلى التصويت، لا بالضرورة ثقةً بقيادات الأحزاب أو اقتناعًا بقدرتها على إحداث تغيير جذري، بل انطلاقًا من شعور عميق بالخطر الذي يمثّله استمرار الجناح الصهيوني الأكثر وحشية في الدولة الإسرائيلية، وسياساته الإجرامية والدموية.
وهذا الشعور لا يقتصر على فلسطينيّي الداخل، بل يمتد إلى أوساط واسعة من شعبنا في الضفة الغربية وقطاع غزة والشتات. إن التواصل المباشر من ناشطين وشخصيات فلسطينية خارج الخط الأخضر مع الداخل يكشف حجم الرهان الذي يضعه بعضهم على دور فلسطينيي الـ48 في إحداث تغيير سياسي يساهم في إسقاط هذه العصابة، أو في الحد الأدنى في إضعافها، والحدّ من قدرتها على مواصلة سياساتها الهمجية.
لا ينبغي أن نخلط بين هذا التوجه وحالة ثورية أو ثقة راسخة بالمسار الانتخابي. فهو في جانب كبير منه تعبير عن الإحساس بضيق الخيارات المتاحة، وعن الخشية من أن يؤدي استمرار الحكومة الراهنة إلى إطالة أمد الكارثة الفلسطينية، وتعميق التدمير في غزة، وتوسيع الاستيطان والضم والتهجير، والتخطيط لنقل الإرهاب الدموي الى داخل الخط الأخضر، و تشديد الخناق على الفلسطينيين في مختلف أماكن وجودهم. كما أن وراء هذا التوجه أيضًا إدراك بأن تبدل موازين القوى لن يحدث سريعًا، وأن شعبنا قد يواجه مرحلة أخرى طويلة من المعاناة قبل أن تتوافر شروط تغيير حقيقي، وتحقق هزيمة نظام االكولونيالي الإبادي.
وعلى رغم ذلك فإن فهم دوافع الناس لا يعني التسليم بأن الخيار الانتخابي كافٍ، أو أن زيادة التمثيل البرلماني ستترجم تلقائيًّا إلى تغيير في السياسات. وهنا تحديدًا ينبغي أن يبدأ النقاش السياسي الجدي: كيف نفهم خيارات الناس في ظرف قاسٍ، من دون أن نقدّس هذه الخيارات أو نحولها إلى بديل عن التفكير الإستراتيجي؟ وكيف نحترم موقف المقاطعة المبدئي، من دون أن نحوله إلى معيار وحيد للحكم على وطنية الآخرين؟
أزمة أعمق من الانتخابات
من المفهوم أن يكون ضعف الحملة الانتخابية، ومحدودية مضامينها، وغياب رؤية سياسية واجتماعية مقنعة من بين الأسباب التي دفعت بعض أنصار المقاطعة إلى تصعيد نقدهم. فقد أهدرت الأحزاب، وإن بتفاوت، خلال السنوات الأربع الماضية فرصة ثمينة لإحداث نقلة نوعية في تنظيم المجتمع، وتجديد أدوات العمل السياسي، وتعميق فهم التحولات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية التي يشهدها مجتمعنا الفلسطيني، وكذلك التحولات الجارية داخل المجتمع الإسرائيلي ومنظومته السياسية.
لقد أُنتجت دراسات جادة حول هذه التحولات، لكنّ المعرفة لم تتحول بما يكفي إلى مؤسسات تمثيلية ومهنية راسخة، وإلى أطر مجتمعية قادرة على التنظيم والتأثير، وإلى خطاب سياسي يستعيد ثقة الناس ويمنحهم شعورًا بأنهم شركاء في صنع مستقبلهم، لا مجرد جمهور يُستدعى إلى صناديق الاقتراع عند الحاجة.
وهذه ليست مشكلة انتخابية فحسب، بل أزمة في بنية العمل السياسي الفلسطيني وفي علاقته بالمجتمع. فالسياسة لا تُختزل في التمثيل البرلماني، كما أن التنظيم الشعبي لا يُختزل في الحشد الموسمي. وإذا لم تُبنَ قوة اجتماعية وسياسية مستدامة تستند إلى الشباب والنساء والطلاب والنقابات والمبادرات المحلية، وتستطيع تحويل الغضب والخوف والتضامن إلى فعل جماعي منظم، فستظل الانتخابات مناسبة لتجديد الآمال يعقبها غالبًا إحباط متكرر.
والأخطر من ذلك هو أن الخطاب السياسي لا يزال عاجزًا، في جوانب أساسية منه، عن مواكبة حجم التحولات التي نعيشها، فلسطينيًّا وإسرائيليًّا ودوليًّا. فواقعنا لم يعد يسمح بخطاب مبسط يفصل بين المسألة المدنية اليومية والمسألة الوطنية، أو بين مواجهة الحكومة الحالية ومواجهة المنظومة الاستعمارية التي أنتجتها، أو بين حاجات مجتمعنا المباشرة ومستقبل الشعب الفلسطيني كله.
فنحن أمام منظومة استعمارية وعنصرية تتداخل فيها المؤسسات والقوانين والأجهزة الأمنية والاقتصاد والاستيطان، وتتقاطع سياساتها مع مصالح وتحالفات دولية. لذلك لا يكفي أن نغيّر الحكومة إذا بقيت البنية التي تنتج التمييز والهيمنة والاقتلاع قائمة، وإن كان تغيير الحكومة قد يفتح، في ظروف معينة، مجالًا إلى تخفيف المعاناة ومواصلة النضال بشروط أقل اختناقًا.
ونكرر القول، والتكرار أحيانًا ضروي، بأن إعادة تأطير الخطاب السياسي تقتضي الانتقال من سؤال: هل نشارك أم نقاطع؟ إلى مجموعة أوسع من الأسئلة: ما طبيعة المرحلة التي نعيشها؟ وما حدود التأثير الممكن داخل المؤسسات الإسرائيلية؟ وما الذي نستطيع تحقيقه من خلالها، وما الذي لا يمكن تحقيقه إلا ببناء قوة شعبية ووطنية خارج حدودها؟ وكيف نربط النضال من أجل الحقوق والحماية اليومية بمشروع تحرري يعالج جذور المأزق الفلسطيني؟
هذا لا يعني إلغاء الخلاف حول المشاركة والمقاطعة، بل وضعه في حجمه الحقيقي، بوصفه خلافًا على إحدى أدوات العمل السياسي، لا بديلًا عن النقاش حول الأهداف والإستراتيجية وبناء القوة.
إسقاط الحكومة: ضرورة عاجلة، لا إستراتيجية مكتملة
تلتقي اليوم قوًى وقطاعات فلسطينية واسعة، على اختلاف توجهاتها ومواقعها، حول ضرورة إسقاط الحكومة الإسرائيلية الحالية. وهذا الالتقاء، على الرغم من تناقض منطلقاته، يعكس حجم الجرائم والضغوط التي يعانيها شعبنا، ومدى ما أحدثته من تهديد لحياته ووجوده ومستقبله.
ولا أعتقد أن معظم القوى الفلسطينية تتوهم أن سقوط بنيامين نتنياهو وحكومته سيؤدي تلقائيًّا إلى انفراج تاريخي، أو أن حكومة إسرائيلية أخرى ستنهي الاحتلال والاستيطان والتمييز البنيوي، أو تعيد الحقوق الفلسطينية المسلوبة. فالمعارضة هي جزء من هذا النظام الإجرامي، والمجتمع الإسرائيلي لا يمكن أن ينتج منظومة مختلفة جوهريًّا، وإن التغيير الجذري وتفكيكها مرهون بتغيير ميزان القوى بصورة جذرية.
بيد أن إسقاط الحكومة الراهنة قد يخفف بعض أوجه المعاناة، ويفتح مساحات أوسع للحركة السياسية والشعبية. وفي ظرف يعاني فيه شعبنا تهديدات وجودية، لا يجوز الاستهانة بأهمية هذه الإمكانية، ولا أعتقد أن الخوف من قدرة حكومة إسرائيلية بديلة قادرة على استعادة القناع الذي أظهرت فيه إسرائيل وجهها إلى العالم لعقود طويلة، لأن الضرر الذي ألحقته المقاومة الفلسطينية وحرب الإبادة غير قابل للإصلاح، بحسب المراقبين للرأي العام الغربي، ومنهم إسرائيليون، خاصة وأن جيشًا من النشطاء، والإعلاميين، والمثقفين، والفنانين، الفلسطينيون والأجانب، واليهود، الذين يقودون الحملات ضد السردية الصهيونية، قد اتسع وترسخ بدرجة غير مسبوقة، فضلًا عن صدور تقارير من منظمات حقوق إنسان دولية، ومنها إسرائيلية، تجرّم إسرائيل باعتبارها نظام فصل عنصري، ونظامًا يرتكب إبادة وجرائم ضد الإنسانية، وقد بات حكام إسرائيل مطلوبون للعدالة.
غير أن السؤال الذي يكاد يغيب عن النقاش هو: ماذا بعد؟ هل أعددنا تصورات سياسية وسيناريوهات عملية لليوم التالي في حال تحقق هذا الهدف؟ وكيف سنتصرف إذا أخفقنا في تحقيقه واستمرت الحكومة أو عادت سياساتُها بأشكال أخرى؟ وكيف نحافظ على الحد الأدنى من الوحدة الوطنية والسياسية التي نشأت حول ضرورة وقف هذا المسار، إذا لم تتحقق النتيجة المرجوة؟
إن إسقاط عصابة نتانياهو - بن غفير - سموتريتش، ينبغي أن يكون هدفًا عاجلًا ضمن إستراتيجية أوسع، لا إستراتيجية قائمة بذاتها. فالرهان على تغيير الحكومة من دون بناء قوة قادرة على التأثير في اتجاهات المجتمع والسياسة، ومن دون تطوير برنامج فلسطيني مستقل قد ينتهي إلى تبديل الوجوه مع بقاء البنية الإجرامية ذاتها. وفي المقابل، فإن التقليل من أهمية إسقاط حكومة تتبنى سياسات شديدة العدوانية، بحجة أن النظام سيظل قائمًا بعدها، يتجاهل الفارق بين درجات القمع والدمار، ويغفل مسؤوليتنا عن استثمار أي فرصة لتخفيف المعاناة وفتح المجال أمام مواصلة النضال وتطويره.
إن المطلوب إذن هو الجمع بين هدفين لا يتعارضان: العمل على إزاحة الحكومة الحالية، وبناء مشروع سياسي واجتماعي طويل الأمد يتجاوزها. وهذا يستدعي الاستعداد لسيناريوهات متعددة، وتحديد ما يمكن تحقيقه في كل منها، وصوغ خطاب يشرح للناس أن التغيير الحكومي ضرورة، لكنه ليس نهاية الطريق.
الرهان الفلسطيني على فلسطينيي الداخل
ومن المفارقات ذات الدلالة أن قطاعات واسعة من الجسم السياسي الفلسطيني، بما فيها فصائل معارضة، وأطر ناشطة، بما فيها جهات تتحفظ على المشاركة في الانتخابات الإسرائيلية، تراهن على دور فلسطينيي الداخل في إحداث تغيير يحدّ من قدرة الحكومة الحالية على مواصلة سياساتها. ونسمع من أبناء شعبنا في الداخل تعبيرًا عن هذا الشعور بالمسؤولية: هذا ما نستطيع فعله، على الأقل، تجاه غزة وشعبنا، واتجاه الأسرى الذين يعانون التعذيب على مدار الساعة.
وينبغي أن نتوقف عند هذه العبارة، لا للاحتفاء بها فحسب، بل لفهم ما تفرضه علينا من مسؤوليات. إذ إن الرهان القادم من خارج الخط الأخضر لا يمنحنا تفويضًا مفتوحًا، ولا يعني أن شعبنا يحمّلنا وحدنا مسؤولية تغيير موازين القوى، ولكنه يكشف عن حاجة وطنية إلى أن يكون لفلسطينيي الداخل دور فاعل في مواجهة الإجرام الإسرائيلي، وألا يبقى حضورهم محصورًا في قضايا المواطنة والميزانيات والخدمات، أو في التنافس على المقاعد البرلمانية.
وإن هذا الرهان يضعنا أمام سؤال تاريخي: هل نستطيع الانتقال من موقع جماعة فلسطينية تعيش تحت نظام الدولة الكولونيالية وتواجه سياساته العدوانية، إلى موقع قوة فلسطينية منظّمة تحمي مجتمعها، وتدافع عن حقوقه، وتشارك في إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني، مع مراعاة خصوصية ظروفها القانونية والسياسية والاجتماعية؟
لا يتحقق ذلك بمجرد رفع الشعارات الوطنية، ولا بمجرد المشاركة في الانتخابات أو مقاطعتها؛ إنه يتطلب مراجعة عميقة لمقاربتنا السياسية، ولطبيعة الأطر التي ننظّم أنفسنا من خلالها، وللعلاقة بين العمل داخل المؤسسات الإسرائيلية والعمل الشعبي والوطني المستقل، طالما أن الصراع غير محسوم لصالح قضية فلسطين. كذلك يتطلب تجاوز الفصل المصطنع بين هموم فلسطينيي الداخل وهموم شعبهم في غزة والضفة الغربية والقدس والشتات، من دون تجاهل اختلاف الظروف والأدوات المتاحة لكل تجمع فلسطيني.
المنطقة المشتعلة وضرورة الرؤية الإستراتيجية
في الوقت الذي ينشغل فيه جزء كبير من نقاشنا بالانتخابات، تظل المنطقة برمتها في حالة اضطراب شديد، وقد تتسع المواجهات في أي لحظة. إن الحروب التي اتسعت بفعل السياسات الإسرائيلية والأميركية، الإمبريالية، والحرب العدوانية ضد إيران، واحتمالات انتقال المواجهة إلى ساحات أخرى، تضع القضية الفلسطينية في سياق إقليمي ودولي شديد التعقيد.
ولم تعد آثار هذه الصراعات محصورة في حدود جغرافية بعينها، بل باتت مرتبطة بأمن المنطقة، ومصالح القوى الدولية، ومستقبل الأنظمة والتحالفات. ونشهد محاولة أميركية إسرائيلية لتوريط مباشر لأنظمة الخليج، والنظام المصري في هذا الصراع من خلال إعادة فتح ساحة اليمن، وذلك بعد عجز هذا التحالف عن هزيمة ايران.
وهذا السياق يفرض علينا الابتعاد عن التحليل التبسيطي، ومن الاعتقاد بأن ما يجري يمكن تفسيره فقط بإرادة حكومة إسرائيلية، أو بقرار انتخابي في دولة واحدة. فالحكومة الحالية تتحمل مسؤولية سياسية وأخلاقية مباشرة عن سياساتها وجرائمها، غير أن قدرتها على مواصلة هذه السياسات ترتبط أيضًا بشبكات دعم دولية، وبموازين قوى إقليمية، وبمصالح اقتصادية وعسكرية وإستراتيجية أوسع.
ولذلك فإن تغيير الحكومة لا ينفصل عن النضال من أجل تغيير البيئة السياسية التي تمنحها القدرة على مواصلة سياساتها، كما أن النضال الفلسطيني لا يمكن أن يبقى محصورًا في انتظار تغيرات إقليمية أو دولية، بل ينبغي أن يسعى إلى التأثير فيها، وبناء تحالفات شعبية وسياسية تتجاوز الحدود، وتربط تحرير فلسطين بالنضال العالمي ضد الاستعمار والعنصرية والحروب.
إن إدراك هذه التعقيدات لا ينبغي أن يقود إلى العجز أو الانتظار، بل إلى تطوير أدواتنا وتحسين تقديرنا لموازين القوى، والتمييز بين ما يمكن إنجازه في المدى القريب وما يحتاج إلى عمل طويل الأمد. فكلما ازدادت المخاطر، ازدادت الحاجة إلى رؤية إستراتيجية مرنة قادرة على التعامل مع المتغيرات من دون التخلي عن الأهداف التحررية.
من رد الفعل إلى بناء القوة الفلسطينية
يقف فلسطينيّو الداخل، بأحزابهم وأطرهم المدنية والأهلية والثقافية والشعبية، أمام مهمة تتجاوز الاستحقاق الانتخابي الراهن. نحن بحاجة إلى تغيير جذري في مقاربتنا للأمور، بحيث لا تحكمنا المتطلبات اليومية والملحة وحدها، ولا نكتفي بردود الفعل على ما تفرضه الحكومة الإسرائيلية من سياسات وجرائم، بل نعمل على بناء قدرة مجتمعية وسياسية مستقلة، تستند إلى فهم عميق للتحولات التي نعيشها، وتربط الحاضر بالمستقبل.
كيف نهيئ مجتمعنا لحماية نفسه في ظل تصاعد الجريمة المنظمة، والتضييق السياسي، والتمييز، وتفكك بعض الروابط الاجتماعية؟ وكيف نبني حياة يومية أكثر أمنًا وكرامة من دون فصلها عن الصراع الوطني الأوسع؟ وفي أي إطار سياسي وطني يمكننا الانتظام، بما يتيح لنا التواصل مع الأطر التمثيلية لشعبنا الفلسطيني، والمساهمة في إعادة بناء مشروعه الوطني، مع الحفاظ على قدرتنا على العمل في ظروفنا الخاصة؟
هذه أسئلة لا يمكن الإجابة عنها من خلال الأحزاب وحدها، ولا عبر تفاهمات انتخابية مؤقتة. إنها تتطلب إعادة بناء القوة الداخلية فكريًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا، وتحديد الجهات القادرة على حمل هذا المشروع، وتطوير مؤسسات تتيح مشاركة أوسع، وتمنح الأجيال الشابة دورًا فاعلًا في صياغة الرؤية والقيادة والعمل.
ونعيد ونطرح التساؤل، أو الأسئلة التالية؛ أين الشباب في معادلة اتخاذ القرار؟ وأين الأطر الطلابية والنسائية والنقابية والمبادرات المحلية؟ وكيف نعيد وصل المثقفين والباحثين والناشطين بالمجتمع، بحيث لا تبقى المعرفة حبيسة الندوات والدراسات، بل تتحول إلى أدوات للتنظيم والتثقيف وبناء المبادرات؟
إن إعادة لملمة القوى والأطر لا تعني العودة إلى صيغ قديمة ثبت قصورها، ولا تعني إلغاء الخلافات الفكرية والسياسية، بل بناء مساحة مشتركة تسمح بإدارة هذه الخلافات من دون تحويلها إلى صراعات تستنزف المجتمع. نحن بحاجة إلى حوار وطني جاد يتجاوز الحسابات الحزبية الضيقة، ويشمل الأحزاب والمجموعات الأكاديمية والمثقفين والنساء والشباب والطلاب واللجان الشعبية والأطر الأهلية، حوار لا يكتفي بتنسيق المواقف الانتخابية، بل يناقش طبيعة المرحلة، وأولويات العمل، وشروط بناء قوة فلسطينية قادرة على الاستمرار والتأثير.
إن التحدي الحقيقي ليس أن نتفق جميعًا على المشاركة أو المقاطعة، بل أن نتمكن من بناء رؤية مشتركة لما نريد تحقيقه، وأن نحدد موقع كل أداة من أدوات النضال ضمن هذه الرؤية. فالمشاركة التي لا ترتبط بتنظيم مجتمعي، ورؤية وطنية قد تتحول إلى إدارة للأزمة، والمقاطعة التي لا تقترن ببناء بديل سياسي وشعبي قد تبقى موقفًا احتجاجيًّا محدود الأثر.
لقد آن الأوان للخروج من أسر هذا الاستقطاب، ومن التعامل مع السياسة بوصفها سلسلة من الاستحقاقات المنفصلة. إن ما نحتاج إليه هو انتقال من رد الفعل إلى المبادرة، ومن التمثيل وحده إلى بناء القوة، ومن الاكتفاء بإدارة شؤون مجتمعنا تحت شروط النظام القائم إلى بلورة دور وطني يربط حماية هذا المجتمع بتحرر شعبنا كله.
هذه هي المهمة التي ينبغي أن ينطلق منها نقاشنا قبل الانتخابات وبعدها. وهي، في تقديري، المعيار الأهم للحكم على خياراتنا السياسية، وعلى قدرتنا على تحويل لحظة الخطر الراهنة إلى بداية مسار جديد لاستعادة المبادرة الوطنية الفلسطينية.

اقرأ/ي أيضًا | من الحركة إلى الحراك ثم إلى التنظيم الجديد
تابع قناتنا على واتساب