2026/10/31Last News | آخر الأخبار على مدار الساعة20° حيفا
Last News | آخر الأخبار — Last News
دليل الأعمال

الانتخابات الإسرائيلية 2026: أين الاقتصاد من المنافسة؟

مع اقتراب الحملات الانتخابية من خط النهاية، يلفت الانتباه تراجع حضور القضايا الاقتصادية والاجتماعية، وضعف موقعها في المنافسة بين الأحزاب. فبعد أن شكّل المحور الاقتصادي أحد أبرز محاور التصدّع السياسي والانتخابي، إلى جانب قضية الاحتلال وعلاقات الدين والدولة، خلا

الانتخابات الإسرائيلية 2026: أين الاقتصاد من المنافسة؟
مع اقتراب الحملات الانتخابية من خط النهاية، يلفت الانتباه تراجع حضور القضايا الاقتصادية والاجتماعية، وضعف موقعها في المنافسة بين الأحزاب. فبعد أن شكّل المحور الاقتصادي أحد أبرز محاور التصدّع السياسي والانتخابي، إلى جانب قضية الاحتلال وعلاقات الدين والدولة، خلال سبعينيات القرن الماضي وثمانينياته وحتى تسعينياته، بدأت مكانته تتراجع منذ بداية القرن الحالي، وبشكل أوضح منذ انتخابات عام 2009. إذ باتت البرامج الاقتصادية في الانتخابات الحالية أقل بروزًا في خطاب الأحزاب وفي الجدل الانتخابي العام، لكن تراجع حضور الاقتصاد في الحملات الانتخابية لا يعني بالضرورة زوال تأثير الموقع الطبقي والاجتماعي في أنماط التصويت؛ فقد يستمر هذا التأثير متداخلًا مع الانتماءات القومية والدينية والإثنية.

تقدّم انتخابات 2006 مثالًا على مرحلة كان للسياسات الاقتصادية فيها ثمن انتخابي واضح. فقد ساهمت السياسات التي قادها بنيامين نتنياهو، خلال تولّيه وزارة المالية من عام 2003 لغاية 2005، في ابتعاد شرائح اجتماعية متضرّرة عن "الليكود"، بما فيها أوساط حريدية وفئات محدودة الدخل. وشكّلت هذه الإجراءات دفعة قوية في مسار تفكيك ما تبقّى من ترتيبات دولة الرفاه الإسرائيلية، وتعميق التحوّل نحو اقتصاد السوق، وهو تحوّل سبق وصول نتنياهو إلى وزارة المالية وتسارع منذ نهاية ثمانينيات القرن الماضي.
هدفت خطة نتنياهو إلى تقليص الإنفاق الحكومي، وخفض مخصّصات التأمين الوطني، ولا سيما مخصّصات الأطفال، وتشديد شروط الحصول على بعض الإعانات. وفي السياق نفسه، أُطلق لاحقًا برنامج الانتقال "من الرفاه إلى العمل"، المعروف باسم "برنامج ويسكونسن"، بهدف إدماج متلقّي إعانات البطالة وضمان الدخل في سوق العمل وتقليص اعتمادهم على المخصّصات. وقد مسّت هذه السياسات، بدرجات متفاوتة، فئات واسعة من محدودي الدخل، وكان لتقليص مخصّصات الأطفال تداعيات خاصة على الأسر العربية والحريدية الكبيرة.
وبرّر نتنياهو هذه التوجّهات بالقول إن القطاع الخاص يتحمّل عبء تمويل قطاع عام متضخّم وغير كفؤ، إلى جانب منظومة إعانات تُضعف الحافز على العمل. وفي مقابل تقليص الإنفاق الاجتماعي، دعا إلى خفض الضرائب على الدخل والشركات، وتوسيع دور القطاع الخاص بوصفه محرّكًا للنمو الاقتصادي.
وجرى تمرير هذه السياسات في ظل أزمة اقتصادية وأمنية رافقت الانتفاضة الثانية، وتراجع النشاط الاقتصادي وارتفاع كلفة العمليات العسكرية الإسرائيلية. وقد وفّرت الأزمة أرضية سياسية لتسريع الإصلاحات، رغم المعارضة والاحتجاجات التي أثارتها. وبهذا المعنى، لم تكن خطة عام 2003 بداية التحوّل الاقتصادي، بل محطة مركزية في ترسيخ نموذج يجمع بين تحرير السوق وتقليص الحماية الاجتماعية، واستمرار الدور الواسع للدولة في خدمة أولوياتها القومية والأمنية.
في انتخابات 2006، تراجع "الليكود" إلى 12 مقعدًا، فيما حصل حزب "كديما" على 29 مقعدًا. ولا يمكن تفسير هذه النتيجة بالسياسات الاقتصادية وحدها؛ إذ كان لانشقاق أريئيل شارون وتأسيس "كديما" وإعادة تشكيل المنافسة الحزبية دور أساسي فيها. ومع ذلك، تتيح تلك الانتخابات فحص مدى تحوّل الاعتراض على السياسات الاقتصادية إلى عقاب انتخابي، ومقارنة ذلك بموقع الاقتصاد في الانتخابات الحالية.
انتخابات 2013: محاولة إعادة المحور الاقتصادي
شكّلت انتخابات 2013 محطة لمحاولة إعادة المحور الاقتصادي والاجتماعي إلى المنافسة الانتخابية، في أعقاب احتجاجات صيف 2011 التي انطلقت من أزمة السكن وغلاء المعيشة، وبرز فيها حضور الطبقة الوسطى، خصوصًا في تل أبيب ومدن المركز. وفي هذه الأجواء، تأسّس حزب "ييش عتيد" برئاسة يائير لبيد عام 2012، وسعى إلى تقديم نفسه ممثّلًا للطبقة الوسطى العاملة ودافعي الضرائب، مستثمرًا الشعور بتآكل قدرتهم على تحمّل تكاليف المعيشة والسكن. وربط الحزب هذه المطالب بالدعوة إلى "تقاسم الأعباء"، ولا سيما في العمل والخدمة العسكرية. وبموازاته، حاول حزب العمل، بقيادة شيلي يحيموفيتش، إعادة بناء جاذبيته الانتخابية حول أجندة اقتصادية واجتماعية، ركّزت على العدالة الاجتماعية وتحسين الخدمات العامة ومواجهة غلاء المعيشة، بالتوازي مع تراجع مكانة القضية الفلسطينية والتسوية السياسية في الحملات الانتخابية للحزب.
وقد حقّق هذا الخطاب مكاسب انتخابية لحزب "ييش عتيد" الذي حصل على 19 مقعدًا في أول مشاركة له، وأصبح ثاني أكبر حزب في الكنيست، فيما حصل حزب العمل على 15 مقعدًا. وتراجع تحالف "الليكود–يسرائيل بيتينو" إلى 31 مقعدًا، بخسارة 11 مقعدًا مقارنة بمجموع مقاعد الحزبين في الانتخابات السابقة. ومع ذلك، احتفظ نتنياهو برئاسة الحكومة، وانضمّ لبيد إلى ائتلافه وتولّى وزارة المالية.
تكشف هذه النتيجة حدود ترجمة الاحتجاج الاقتصادي والاجتماعي إلى بديل حاكم: فقد أسهم في إعادة توزيع الأصوات وتغيير موازين القوى داخل الكنيست والائتلاف، لكنه لم يُفضِ إلى خسارة حزب "الليكود" للحكم. وعليه، فإن دلالة انتخابات 2013 ليست غياب تأثير الاقتصاد، بل أن تصاعد حضوره لم يكن كافيًا وحده لحسم هوية من يتولّى الحكم.
الاستقطاب حول نتنياهو بدل البرامج السياسية
غير أنّ الزخم الذي اكتسبته القضايا الاقتصادية والاجتماعية في انتخابات 2013 لم يتحوّل إلى محور ثابت في المنافسة الانتخابية. ففي السنوات الممتدة من انتخابات 2015 إلى انتخابات 2022، وخصوصًا خلال الجولات الانتخابية الخمس بين عامَي 2019 و2022، أخذ الاستقطاب حول بنيامين نتنياهو يطغى على التنافس بين البرامج الانتخابية. وبالتوازي مع انحسار موقع قضية الاحتلال والاستيطان والمفاوضات مع السلطة الفلسطينية في التصدعات السياسية والانتخابية في إسرائيل. وباتت الحملات الانتخابية أقرب إلى استفتاء على استمرار نتنياهو في الحكم، وعلى أدائه وأسلوب قيادته، ثم على أهليته لمواصلة تولّي رئاسة الحكومة في ظل ملفات الفساد والمحاكمة الجنائية. وهكذا، تقدّم الانقسام بين معسكر مؤيّد لنتنياهو وآخر معارض له، حتى بات الموقف من مشاركته في الحكم معيارًا مركزيًّا في رسم حدود التحالفات، وجمع أحيانًا أحزابًا متباعدة في مواقفها الاقتصادية والسياسية. ولا يعني ذلك اختفاء التصدّعات التقليدية، بل تراجع حدّتها وأهميتها في تنظيم المنافسة الانتخابية.
ومنذ انتخابات 2022، اكتسب هذا الاستقطاب مضامين إضافية؛ إذ تصدّر الخلافَ السياسيَّ الخطة الحكومية لتقييد القضاء، الذي عرف بتسمية "الانقلاب القضائي". ثم جاءت أحداث السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 والحروب التي أعقبتها، لتضع في صدارة الجدل مسؤولية القيادة السياسية والأمنية عن الإخفاق، وأداء نتنياهو وحكومته في إدارة الحرب، والمطالبة بتشكيل لجنة تحقيق رسمية حول أحداث السابع من أكتوبر. وإلى جانب ذلك، احتدم الخلاف حول إعفاء طلاب المعاهد الدينية الحريدية من الخدمة العسكرية، في ظل تصاعد الأعباء الملقاة على الجنود وقوات الاحتياط. وبذلك، تداخل الاستقطاب حول نتنياهو مع صراعات أوسع بشأن طبيعة النظام السياسي، والعلاقة بين الدين والدولة، وتوزيع أعباء الخدمة العسكرية، ما أسهم في إزاحة النقاش حول البدائل الاقتصادية والاجتماعية إلى مرتبة متأخرة في المنافسة الحزبية.
بهذا المعنى، لم تختفِ الخلافات الاقتصادية، بل أُعيدت صياغتها حول تقاسم الأعباء الاقتصادية والعسكرية، وخفض غلاء المعيشة، وتوزيع الموارد العامة، ولا سيما الميزانيات التي يخصّصها الائتلاف الحكومي للمؤسسات الحريدية وللاستيطان. غير أنّ هذه الخلافات لا تتبلور في طرح اقتصادي بديل متكامل لدى أحزاب المعارضة؛ إذ يجري معظم السجال داخل إطار اقتصاد السوق الرأسمالي، الذي بات هناك إجماع حوله لدى غالبية الأحزاب في إسرائيل، وينصبّ على أولويات الإنفاق وحدود تدخّل الدولة وكيفية توزيع ثمار النمو وأعبائه. وحتى حزب "الديمقراطيين"، الذي يجمع حزبي العمل وميرتس السابقين، يطرح توجّهًا اجتماعيًّا أكثر تدخّلًا ضمن هذا الإطار، بدلًا من السعي إلى تجاوزه.
خلاف على الأدوات لا على المشروع
يتركّز التمايز الاقتصادي الحالي بين الأحزاب على مواجهة غلاء المعيشة، والحدّ من الاحتكارات والتركّز الاقتصادي، وتعزيز الخدمات العامة واستعادة بعض ضمانات دولة الرفاه، أكثر ممّا يتمحور حول المفاضلة بين نماذج اقتصادية متعارضة.
وتكشف مراجعة البرامج والمواقف الاقتصادية للأحزاب الإسرائيلية المتنافسة في الانتخابات الحالية عن اختلاف في الأدوات والأولويات، أكثر ممّا تكشف عن صراع بين نماذج اقتصادية متعارضة. إذ يتمسّك "الليكود" باقتصاد السوق وتعزيز المنافسة وتقليص القيود التنظيمية، فيما يركّز "بياحد"، بقيادة نفتالي بينيت ويائير لبيد، على فتح الأسواق أمام الاستيراد ومواجهة الاحتكارات لتخفيض الأسعار، إلى جانب تشجيع التكنولوجيا والمشاريع الاقتصادية الصغيرة. أمّا حزب "يشار"، بقيادة غادي آيزنكوت، فيجمع بين تعزيز النمو والمنافسة ومحاربة التركّز الاقتصادي، وإعطاء أولوية لمن يعملون ويؤدّون الخدمة العسكرية أو المدنية. ويتمايز "الديمقراطيون" بتشديد أكبر على ترميم الخدمات العامة وتعزيز الرفاه الاجتماعي، دون الخروج من إطار اقتصاد السوق. وفي المقابل، تبرز لدى "شاس" مطالب دعم الأسر محدودة الدخل والمساعدات الغذائية، إلى جانب إجراءات لزيادة المنافسة وتخفيف الأعباء عن المصالح الصغيرة، فيما تتبنّى "الصهيونية الدينية" توجّهًا يمينيًّا يدعو الى تحرير الاقتصاد وتشجيع المبادرة الخاصة. أمّا "قوة يهودية"، فتربط بين ما تسمّيه "الرأسمالية اليهودية" وتشجيع الأعمال وتوجيه الموارد وفق أولويات قومية.
إلا أن هذه البرامج والمبادئ العامة والتصريحات لا تترجم في برامج انتخابية اقتصادية مفصّلة، وقد رصدت الصحافة الاقتصادية غياب مثل هذه البرامج لدى أحزاب الائتلاف، بما فيها "الليكود" و"شاس" و"الصهيونية الدينية" و"قوة يهودية". ومن هنا، يمكن القول إن الخلاف يدور أساسًا حول مقدار التدخّل الحكومي، وأولويات الإنفاق، والفئات المستفيدة منه، وعلى الأدوات، مع بقاء إطار اقتصاد السوق قاسمًا مشتركًا واسعًا لكافة الأحزاب.
تابع قناتنا على واتساب